حضور فلسطين في المجموعة الروائية (بيت رحيم) للدكتور إبراهيم غبيش

حضور فلسطين في المجموعة الروائية (بيت رحيم) للدكتور إبراهيم غبيش

إصدارات الآن ناشرون وموزعون/ 2022

قراءة بديعة النعيمي

فقدان فلسطين أكبر مأساة عرفها التاريخ العربي وقد عرفت القضية الفلسطينية أكثر من حرب بين العرب “وإسرائيل ” أكثرها هزائم للعرب. لذلك فقد تركت أثرا كبيرا داخل النفوس وأصبحت محور اهتمام الأدب بفنونه المتنوعة والرواية أحد هذه الفنون للكون الرواية حقل خصب لسرد الأحداث ونقل الوقائع وتصوير النفسيات والمشاعر. ومن هنا جاءت نصوص د غبيش التي تنوعت بين الروايات القصيرة والقصص والقصص القصيرة جدا، بمثابة مرآة لحياة الفلسطيني وبيئاته الثقافية والاجتماعية والسياسية وطرح معاناة الفلسطيني في ضياع أرضه وإقامته في مكان كان يظن بأنه طارئ وهو المخيم الذي يعتبر مكان لا بصلح للسكن الآدمي، وقد عبر عنها الكاتب تارة بالتصريح وأخرى بالتلميح كما لجأ أحيانا إلى استخدام الرمز في أكثر من موقع. وكان لهذا المكان/ المخيم معرض كامل من الصور داخل مجموعة غبيش، غربة، زواج، انفصال،حب، خيانة،فقر، برد، جوع.
وجاءت معظم روايات المجموعة لتغوص في أعماق النفسيات ومحاولة لاستكشاف الذات وتجسيد الانتماء الحقيقي لفلسطين.
وقد عمد د غبيش إلى استخدام أبطاله لاجئين من أبناء المخيمات المعذبين المسحوقين الذين يحملون جراحات فلسطين وهم وقود الثورة والنضال ومنها أبطال رواية بيت رحيم التي تعتبر العمود الفقري لمجموعة غبيش.
حيث ترصد هذه المجموعة قصة شعب وهو الشعب الفلسطيني وشخصياتها ترسم لنا صورته. حيث رحيمة/ ذيبة الأم الفلسطينية التي تشبه الفلسطينيات الصابرات ففي ص71 ( اسمها رحيمة..هكذا أسماها الأب..الأم والحارة ينادونها ذيبة) وفي نفس الصفحة( رحيمة سمت ولدها رحيم والاب أسماه ذيب) ورحيم/ ذيب يجسد معاني البطولة الحقيقية ولا يخشى الموت في سبيل تحرير أرضه.رحيم الفدائي الأمل الذي يعيش خارج أرضه ولا سبيل لارتباطه بها إلا بالبندقية.

يستعرض الدكتور غبيش قصة التهجير الأولى قصة رحيمة هجرة كل فلسطيني ففي ص72 ( تشرد وهجرة ،فلاحة تحمل طفلا في قدح قش يعلو رأسها ،في يدها بقجة تسير وتسير).

ويخبرنا د غبيش في رواية بيت رحيم ما حدث مع المهجرين من التسلل والعودة إلى الارض والبيت لإحضار بعض المتاع ففي ص 73 ( تسلل عبد الكريم زوج رحيمة مع بعض سكان القرية كي يحضروا بعضا من متاع أو مدخرات نسوها..عادوا جميعا ولم يعد عبد الكريم.. أطلقوا رصاصا عليهم).
أما في ص74 من رواية بيت رحيم يصف لنا غبيش خيمة اللاجئ بأسلوب ساخر ( بيت سقف حيطان عزلة عن الآخر ..كون أكوان… سماء.. فضاء مفتوح؟ أصبح لنا بيت..خيمة قريبة من شجرة التوت). فالخيمة لا جدار لها ولا سقف تلهو بها الريح من كل جانب فلا أمان لها مع ذلك الذي تمنحه الغرفة ذات الجدران والسقف.

واعتمد د غبيش على تصوير الحركات الخارجية لتصوير الأعماق النفسية للشخصية ففي ص82 صور لنا حركات رحيمة/ذيبة حينما عرفها المهندس خالد حنا نجار عن نفسه ( بدأ صدرها يعلو ويهبط). وعندما ذكر المهندس حنا أمامها اسم رحيم/ذيب ص83( اهتز جسد رحيمة). وهذه الحركات تعطينا عدة دلالات على الوضع النفسي لرحيمة وهي تتقصى أخبار ابنها رحيم الذي ترك جامعة القاهرة والتحق بالفدائيين في أحراش وأغوار الأردن. ويصف لنا د غبيش صمود أمهات الشهداء ومشاعرهن من خلال رحيمة/ذيبة حينما أشار المحامي هايدر لها إلى قبر رحيم/ذيب ص93( أشار بيده..شاهدة حديدية ” 2393″). فكانت ردة فعلها كما وصفها د غبيش ص94( جثت رحيمة على ركبتيها وبدون توقع منها أخرجت الكريك وأخذت تحثو التراب عن القبر..ظهرت جمجمة، عظم الكتفين..والذراعين.. والحوض والساقين..شهقت رحيمة..لم تبك).
فأي بيت هو بيت رحيم/ ذيب؟ هل هو ذلك البيت عند التوتة؟ أم هو بيته/ قبره الذي امتلك رقما ؟ أم هو بيته الأول الرحم الذي احتضنه جنينا وبحث عنه كبيرا ،رحم أمه رحيمة/ ذيبة.
وجاءت بعض شخصيات روايات د غبيش لتعالج الواقع المأساوي بأسلوب ساخر ومنها ما جاء ص116 من رواية “ملذات غانم الشهير بشقروق” عن شقروق بعد أن وجد فرصة لجمع العلب الفارغة أثناء مظاهرات واعتصامات في الميدان فقبضت عليه الشرطة ( معظم علبه كانت ملأى بالبول واحدة فقط بها بنزين زجاجية..اعتقدت الشرطة أنها زجاجة مولوتوف).
ومعظم أبطال دغبيش لا يجدون وجهتهم ،تائهون ،فوضويون،يهربون من الواقع نحو انتحار وعلاقات غرامية ففي ص131 عن عامر الخلعي في رواية ” صحبة وأنا معهم أهل الهوى” ( تنوعت علاقاته ،أغلبها مع عاهرات ،بائعات هوى لم تكن لتدوم) وفي نفس الصفحة ( لم يكترث يوما لتلك الفوضى التي يحياها).
وفي رواية الشتاء غواية ص47( انتحار مهندس 53 عاما في مكتبه).

وفي رحلة المخاض التي عاشها الفلسطيني في روايات د غبيش فهو ما زال يحلم بفسخة من فرح ومنها ما جاء في رواية بيت رحيم عن خالدة ( تغسل أشجارها ،نباتاتها الخضراء والملونة) مشهد يشي للمتلقي بالفرح والأمل.

والأشخاص في معظم روايات د غبيش ليسوا مجرد أناس يعيشون ويتحركون في إطار الزمن والمكان والحدث الروائي بل هم رموز لقطاعات فكرية وإنسانية فعلى لسان علي زعتر من رواية فؤاد مطر ص204 ( نكنس الاحتلال أولا) ومن نفس الرواية ص205( قال خليل الشيخ: تأبين المرض أم تأبيده؟ واصلنا توزيع الجرائد كل شهر).

كما واعتمد دغبيش على استخدام الرموز فمن رواية عالم قديم ص175 على لسان نور الدين عن ليلى( كانت عارية تماما) والعري هنا ليس عريا ماديا لجسد بل عري وطن واغتصاب أرض.

كما واتصفت بعض شخصيات د غبيش بالثنائية الضدية من حيث القبول والرفض، الظلم والإذعان، وغيرها.

بقي أن نقول بأن د غبيش اعتمد العبارات المركزة لطرح أفكار نصوصه. واستخدم بعض الدلالات الرمزية كما أسلفنا سابقا.

Read Previous

سلطة الاحتلال الناعمة في محو الذاكرة الوطنية-سليم النجار

Read Next

تعاون ثقافي بين رابطة الكتاب والاذاعة الاردنية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *