لمن الغرب.. ولمن الغربي؟ – فياتشيسلاف كوستيكوف

لا يمكن تحقيق العزلة السياسية لروسيا التي عوّل عليها خصومها. مع كل الضغوط الاقتصادية لا تزال روسيا قادرة على التأقلم بشكل عام، وإن كانت تواجه في ذلك صعوبات عديدة. ليس من المستغرب إذن أنهم يحاولون مهاجمة قطاعات حساسة أخرى؛ وأقصد على وجه الخصوص قطاع الثقافة الروسية.

ظلت روسيا على مدار عقود لاعبًا نشطًا إلى حد كبير في مجال التعاون الثقافي. اليوم، وبناء على اقتراحات عدد من بلدان أوروبا الشرقية، ثمة محاولات لإخراجها من «القارب الثقافي» المشترك. يقللون عروض مسارحنا ويحدّون من إصدار كتبنا وترجمتها. تُستبعد أعمال الملحنين العظماء من برامج الحفلات الموسيقية، بل وصل الأمر في بعض الأماكن إلى تدمير تماثيل بوشكين وتكثيف اضطهاد اللغة الروسية.

كيف يمكن التعامل مع هذه الباشناليا؟ أعتقد أننا في حاجة إلى التحلي بالهدوء وانتظار أن تنتهي هذه الفترة. كانت الثقافة الروسية -وستظل- جزءًا من الدورة الدموية الثقافية للعالم، وأوروبا على وجه الخصوص. لن تجلب إراقة الدماء في هذا المجال أي نفع لأي طرف. إذا امتنعت الشخصيات الثقافية الأوروبية اليوم عن إدانة هذه الظاهرة غير الطبيعية، فإن هذا يعود في الأساس إلى الخوف من العواقب التي ستعود على حياتها المهنية.

هناك سبب آخر أيضًا؛ ألا وهو تدهور النخبة الثقافية الغربية. المكان الذي شغله الأساتذة العظماء الذين تربت على أعمالهم الإبداعية أجيال من المشاهدين والقراء الأوروبيين والروس يشغله الآن بنشاط -إذا لم نقل «بعدوانية»- سادة الثقافة الجماهيرية المهتمون برسوم الدخول وضجيج شبكات التواصل الاجتماعي، لا بالتأثير على عقول الناس. مَن من المشاهير الآن -باستثناءات نادرة- يمكنه أن يصرخ اليوم مثل ليف تولستوي: «لم يعد بوسعي الصمت؟!».

عملية «ليكبز(3)» ثقافية: لسوء الحظ لدينا أيضًا سياسيون غاضبون من العقوبات المفروضة على روسيا، وفي الآن ذاته يسعدهم أن تخرج بلادنا من إطار الثقافة الغربية. لم تعد الصيحة الرائجة تتمثل في عزلة روسيا سياسيا فقط، بل وثقافيا أيضا، ويُقدّم هذا الطبق الرائج بنكهة حب الوطن. من الواضح أن الحزب الشيوعي في روسيا متحمس لهذا الاتجاه. أتمنى أن تكون هذه الحالة المزاجية الانتهازية والشعبوية الطابع مرتبطة بالانتخابات المقبلة وحسب.

للأسف الشديد، تحت تأثير الخطاب المعادي للغرب (الذي يمكن تفسيره في ضوء الأحداث في أوكرانيا) يعتقد عدد متزايد من الروس أن الحضارة الغربية لا تلائمنا على الإطلاق. بحسب علماء الاجتماع يعتقد واحد من كل ثلاثة ذلك. ما الذي يلائمنا إذن؟ الحضارة الصينية؟ الهندية؟ الكورية؟ أنذهب إلى مسرح البولشوي والكونسيرفاتوار بالساري الهندي؟

بشكل ما ينسى الناس أن الآداب الأوروبية والرسم والمعمار والموسيقى والمسرح والفلسفة، وحتى العادات اليومية وصلت إلى روسيا إبان حكم بطرس الأول، ومنذ ذلك الوقت نمت لتصير جزءًا من نسيج الحضارة الروسية. يُقال إن ليف تولستوي ظل لفترة طويلة يرتدي ميدالية عليها صورة جاك روسو، احترامًا للحضارة الغربية، كما أبدى فيودور دوستويفسكي إعجابه بديكنز. أما ميخائيل جلينكا الذي يُعد مؤسس المدرسة الأوبرالية الروسية فقد استلهم الكثير من الأوبرات الإيطالية والألمانية. أولئك من زاروا بطرسبرج لا يمكنهم تقريبًا إبداء موافقتهم على أن عاصمتنا شُيِّدت على الطراز المعماري الصيني. أوروبا إذن موجودة في روسيا في كل خطوة وزقاق وتقاطع جسر.

هل أوروبا قطعة منفصلة؟ للأسف يُستبعد قطاع كبير من السكان من الثقافة الراقية، ويتغذون على موسيقى البوب سهلة المنال والترفيه التلفزيوني، فماذا يمكن للمرء أن يفعل إذا لم يكن بوسعه شراء تذكرة في مسرح جيد؟

احتياطي القوة الثقافية الذي صنعته الدولة في فترة الاتحاد السوفييتي تحت شعار «الثقافة للجماهير» يتلاشى للأسف أمام أعيننا. يتضح ذلك من خلال نتائج استطلاع أجراه مؤخرًا مركز عموم روسيا لدراسة الرأي العام. يبين الاستطلاع أن أكثر من نصف الروس (54%) لا يرون أي فائدة للحضارة الغربية والديمقراطية والثقافة، كما انخفضت نسبة من يعتقدون خلاف ذلك من 55% في عام 2000 إلى 30% في عام 2022. غالبًا تتبنّى الأجيال الأكبر سنًا آراء محافظة ومناهضة للغرب بشأن القضايا الثقافية. في المجموعة التي يزيد عمرها عن ستين عاما يعتبر 70% من الناس أن التوجهات الغربية الرئيسة مدمرة لروسيا، أما بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 34 عامًا فالرأي السائد هو أن روسيا في حاجة إلى الغرب، ويمكن للغرب أن يقدم أشياء مفيدة كثيرة لتطوير البلاد.

مع ذلك، في سياق استطلاعات الرأي نجد دعاوى لا تتعلق فقط بالـ «الغرب المتعفن» بل أيضًا بـ«السياسة الثقافية لسلطاتنا». واحد من كل اثنين يقول إن الحكومة لا تفعل الكثير للترويج للثقافة الرفيعة. يكشف عدد من الاستطلاعات عن مستوى عال من الجهل، حتى بين الشباب.

اتضح مؤخرًا أن نصف سكاننا يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض وليس العكس. من المسؤول؟ أهي المدرسة بسبب سوء مستوى التعليم؟ أم هي السلطات بسبب أنها أثناء توسيعها لمجال العنصر الوطني في المنهج الدراسي قللت من حجم المعرفة الثقافية؟ كيف يمكن للمرء ألا يتذكر قول تولستوي نفسه: «تعتمد قوة الحكومة على جهل الشعب، وهي تعرف ذلك، وبالتالي ستحارب التنوير دائمًا»؟

سيكون رائعًا لو دحضت حكومتنا كلمات الكاتب العظيم؛ على الأقل بزيادة الميزانية الثقافية والتعليمية للبلاد، ولو بدرجة طفيفة.

——————————–

دبلوماسي وصحفي وكاتب روسي

شغل منصب السكرتير الصحفي للرئيس الروسي بوريس يلتسين.

الهوامش:

1- مقالة شهيرة لليف تولستوي ندد فيها بالمظالم التي يتعرض لها الروس من جانب النظام الحاكم.

2- مصطلح يشير إلى حملة انطلقت في العصر السوفيتي للقضاء على الأمية الجماعية للبالغين والبالغات.

Read Previous

ما الذي على “ليز تراس” فعله؟! جيم أونيل

Read Next

لا تُضيِّعوا هذه الفرصة – عقل العويط

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *