رحيل محمد علي شمس الدين.. شاعر الأرض من جنوب لبنان إلى غرناطة

“يوم الأحد الواقع فيه صمتي”، هو عنوان القصيدة الأولى في ديوانه البديع “النازلون على الريح” (دار الآداب، 2013). نقرأها اليوم بعين أخرى. نستعيدها ببعدها العرفانيّ، أو التنبئيّ، فكأنّ محمد علي شمس الدين كتبها في رثاء نفسه.

“ماذا بيدي؟/ ماذا أفعل؟ هل يومي بيدي؟ وغدي…؟/ (…)، سيّان أكنتُ النائمَ/ أم كنتُ الصاحي/ خذلتني الرؤيا، وصباحي/ أفلتَ من كفّ الليل”…

لقد صمت الشاعر فجر هذا الأحد، وقد خذله صباحه فرحل عند مطلع الفجر، تاركاً خلفه نصف قرنٍ من الشعر، استهلّها في بداية عقده الثالث مع ديوان “قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا”، ليغدو واحداً من أهمّ الشعراء المعروفين في لبنان والعالم العربي.

استعار محمد علي شمس الدين، الحائز شهادة الدكتوراه في التاريخ والليسانس في الحقوق، من خلفيته العلمية وبيئته الإسلامية، نَفَساً دينياً صوفياً امتازت به قصيدته.

ذاته المعاصرة ارتدت لبوس التاريخ والحضارة العربية القديمة، وهذا ما يتّضح في قصائد كثيرة عن “غرناطة” و”آسيا” و”زينب” و”ليلى” و”الحلاج” و”الغزالي” و”الشيرازي”…

في قصيدة “وجه ليلى”، تماهى شمس الدين مع قيس ليتبيّن لاحقاً أنه لم يحب ليلى بل شُبّه له، ناسفاً بذلك أسطورة أشهر عاشقين في التاريخ العربي: “علّقتُ على باب الدنيا قلبا مطعونْ/ وصلبتُ جناح الطير على جذع الزيتون/ ونقشتُ على عنقي سيفا/ وعلى هدبي سيفا مسنون/ وشنقتُ الشمس بأعتابي/ وصفعت قفا القمر المفتون/ لا قيس أحبَّ ولا ليلى/ عرفت وجها للمجنون».

شكّل الجنوب اللبناني، بما فيه من حيوية الأرض وثقل المعرفة وحرارة الشعر، نسقاً مكانياً لافتاً في قصائد شمس الدين، لكنّ المكان عنده لم ينحصر في هذه البقعة التي قدّسها حبّاً وشعراً. بل امتدّ شعره طولاً وعرضاً ليصل إلى “غرناطة”، فكتب عنها قصيدة من أروع أعماله.

تُرجمت قصائده إلى لغات أجنبية عدة، وكتب عن قصائده الكثير من النقاد العرب والغربيين، ومن بينهم المستشرق الإسباني بدرو مونتابيس حيث قال في كتيب عن منشورات المنارة 77 مدريد، مع ترجمة قصيدة “البحث عن غرناطة” للإسبانية:

“يبدو لي أن محمد علي شمس الدين هو الاسم الأكثر أهمية، والأكثر وعداً في آخر ما كتب من الشعر اللبناني الحديث، في هذا الشاعر شيء من المجازفة مكثف وصعب؛ لا سيما أنه عرضة لكل الإشراك. شيء ما يبعث على المجرد المطلق، المتحد الجوهر، اللاصق بالشعر في أثر شمس الدين، وقلة هم الشعراء الذين ينتصرون على مغامرة التخيل، ويتجاوزون إطار ما هو عام وعادي، وهؤلاء يعرفون أن مغامرتهم مجازفة كبرى، ولكنهم يتقدمون في طريقها”.

قراءة حياة الشاعر قد تُساعد كثيراً في فهم شعره. فالراحل تربّى في بيت جدّه، المرتّل الذي علّمه كيف يتأمّل الآيات ويحبّ الأذان. لكنّ شعره لا يتوقف عند حدود التراث والتاريخ، بل يتعدّاه ليغدو شعراً إنسانياً – فلسفياً وماورائياً: “بعثتُ طائراً إلى المساء لم يعد/ فقد أسره الفضاء” (الموت).

وفي قصائده الأخيرة، اهتمّ الشاعر بحركة الزمن والتقدم في العمر واختبار الحياة عبر اختمار التجربة، فتحدّث عن الموت والعزلة والخوف والفقد. ومنها قصيدة جميلة كتبها قبل اقتحام وباء كورونا بسنواتٍ سبع، فكأنّه يستبق فكرة العزلة كوسيلة للحماية أو ربما الإنقاذ. فيقول: “غرقتُ مثل جبل الجليد في سكوتي/ فإن مررتَ بي/ فحيِّ وابتعد/” (ديوان “نازلون على الريح”، قصيدة “عُزلة”).

محمد علي شمس الدين يرحل اليوم “أبعد من غيم أيلول”، وهي قصيدته الجميلة التي قال فها: “الطيور تحلق مزهوة كالشعاع/ وتنشر بهجتها في سماء الجنوب/ على حافة الأفق/ أيلول حرّك/ فوق الشجر/ قليلًا من الورق الأصفر المتداعي/ سقطت من شعور القمر/ خصلة في تراب الحديقة/ ثم نام الذهب /على رسله في البلاد العتيقة…”.

Read Previous

من الغزو الروسي إلى الهجوم المضاد لكييف: 200 يوم من الحرب في أوكرانيا

Read Next

حبس صحافي جزائري بعد نشر مقال عن رفض شحنة تمور تم تصديرها للخارج

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.