هاني عبد المريد: كل كاتب قصة حقيقي يستطيع كتابة رواية جيدة.. والعكس غير صحيح

حوار ـ حسن عبد الموجود

بصدور رواية الكاتب المصري هاني عبد المريد «عزيزتي سافو» تعادلت الرواية والقصة في مشروعه الأدبي، فقد أصبح يملك خمسة أعمال من كل نوع.

في الرواية أصدر بخلاف عمله الجديد «عمود رخامي في منتصف الحلبة»، و«كيرياليسون»، و«أنا العالم»، و«محاولة الإيقاع بشبح»، وفي القصة «إغماءة داخل تابوت»، و«شجرة جافة للصلب»، و«أساطير الأولين»، و«تدريجيا وببطء»، و«من شرفة بيتهوفن»، ورغم ما قد تشي به هذه النِسبة من أنه لا يميل إلى كفة أحدهما إلا أنه يميل فعلاً إلى القصة ويعتبرها الفن الأرقى.

هاني عبد المريد هو أحد كتاب ما بعد التسعينيات، ويُنظر إلى منجزه بنوع من الاهتمام النقدي والإعلامي، وهو أحد الأصوات الخافتة في الساحة الثقافية، فلا يمكن أن يتورط في صراع ما من الصراعات التي تثور فجأة هنا وهناك. في هذا الحوار يتحدث هاني عبد المريد عن روايته الجديدة وأبطالها، كما يتحدث عن نفسه وعن رؤيته لكثير من القضايا، من الأضواء التي تحيط بالكاتب في بعض الأحيان إلى الجوائز وظاهرة البيست سيلر.

دعنا نبدأ من عنوان الرواية «عزيزتي سافو».. ألا ترى أن به نوعاً من الغنائية الشعرية؟ وأن هذه الغنائية كانت واضحة كذلك بامتداد الرواية؟ هل الغنائية تقلل من الحالة الفنية للعمل الأدبي؟

بالطبع الغنائية قد تقلل من الحالة الفنية للعمل الأدبي، كما أن اللغة الجافة قد تفعل الشيء نفسه. من الوارد أن تُسهم أي طريقة في الإضرار بالعمل الأدبي لو استُخدمت بشكل خاطئ، فاستخدام أي شيء في غير موضعه، أو بشكل أزيد من حده، أو أقل من المطلوب بالتأكيد سيجعلك تشعر بأن هناك مشكلة ما، الأمر يشبه التعامل مع كل الأعمال التي يتحكم فيها ذوق المتلقي، كالفن التشكيلي، والموسيقى. حتى في الطهي إن قلَّت المقادير أو زادت أو استُخدم مُكوِّن ما في غير موضعه ستكون النتيجة ملحوظة فورا.

سافو شاعرة غنائية عظيمة، كان لا بد أن تنطق بكلمات مختلفة، أن يكون لها تجربة ولغة ووجهة نظر مختلفة، والرواية في الأساس قامت على هذا الاختلاف بينها وبين خالد.

خالد أحد أبطال العمل يكتب روايته، وبذلك هناك عمل داخل العمل. كيف استطعت التوفيق بين الروايتين، روايتك ورواية بطلك؟

هما في الحقيقية ليستا روايتين فقط، بل أكثر من ذلك، الأولى رواية خالد ومحاولته أن تكون جيدة بحيث ترضيه، وقد ظل يطاردها ولم يصل إليها، الثانية الرواية التي ودت الناشرة لو يكتبها لتبرئة ساحة جدها الطاغية المعروف، الثالثة التي كتبها عِنداً في الناشرة وحققت مبيعات ونجاحاً لم يتوقعه، الرابعة الرواية التي قرر أن يكتبها بعدما فقد صديقه، وحاول أن يصل بها إلى شكل يرضيه وما زال يشك هل اكتملت أم لا وهي التي بين أيدينا الآن، بالإضافة إلى العديد من أفكار الروايات التي كانت تأتيه طوال الوقت لكنه كان يرفضها ويراها أفكار روايات ساذجة، مثل فكرة العمارة التي بها تنوع في انتماءات ساكنيها..

والتوفيق بين كل تلك الروايات كان بسيطاً وسهلاً، فبالرغم من تعدد الروايات وشخصياتها وأحداثها فإن الأمر لم يكن بالنسبة لي أكثر من تقسيمات وهمية، وكل هذه التفاصيل في النهاية هي مكونات روايتي أنا.

تبدو سافو كأنها الصوت الأثير داخل العمل.. هل تشكل سافو المرآة التي يرى فيها الكاتب أفكاره وتصوراته عن الحياة؟

المرآة هي أصدق تعبير عن سافو. سافو مرآة للحياة والكتابة كذلك، حتى أنني في كثير من الأحيان أنطقت سافو بكل ما أردت قوله عن الكتابة، وتخيلت أنني بعد هذه الرواية لن أتحدث عن الكتابة في أي حوار صحفي، لأنني قلت كل ما لديَّ مع سافو، لماذا نكتب، كيف نكتب، مخاوف الكتابة، كيف تنتزعنا من حياتنا، كيف تصير هي بديل الحياة، كيف نتعامل مع قفلة الكتابة، كيف نقلق عند النشر وتنتابنا مخاوف مرضية في بعض الأحيان…

تحاول “ميليسا” وهي إحدى شخصيات الرواية، أن يكون بطلك الكاتب أداة لتبرئة جدها «بارثلميو يني»، الذي وصل إلى منصب «كتخدا» أيام الحملة الفرنسية. هل تقول الرواية إن التاريخ أو الماضي يتحكم في الحاضر ويبقينا مشدودين إليه دائماً؟

ربما تقول ذلك، لكن بما أن الرواية مهمومة بالكتابة لا بالتاريخ، فمن الممكن أيضاً أنها تُظهر جانباً آخر لم يكن يتخيله خالد، وهو أن الكتابة قد تصبح أداة غير شريفة، أداة تبرئ ساحة خسيس وتُعلي من شأنه، وتسلب شرف وكرامة الشرفاء، وهذا الجانب الخطير لم يكن يلتفت إليه وكشفته له ميليسا.

لماذا اخترت أن يكون سكان العمارة مختلفي التوجهات السياسية والدينية؟ هل أردت أن تعبر عن الطيف الواسع في مصر؟

قطعاً لا، العمارة بتفاصيلها كانت مجرد فكرة رواية مرَّت على ذهن خالد، لكنه سخر منها فيما بعد، كما أنه كان يود تناولها كرواية رعب، رعب أن تجتمع كل هذه الأطياف في نفس الوقت والمكان، خالد كان يحلم برواية مختلفة، وكانت تأتيه أفكار تبدو له مقنعة في وقتها، لكنه بعد قليل يراها عادية، كما يحدث معنا جميعاً ككتاب، وكان عليَّ أن أعبِّر عن هذه الحالة وآتي بأفكار عادية تعجبه في لحظة ثم يثور عليها ويرفضها في لحظة تالية، العجيب أن كثيرين أُعجبوا ببعض الأفكار المطروحة، وعبروا عن اندهاشهم من أنني لم أفرد لها مساحة أكبر، في حين أنها كانت مجرد أفكار عابرة وبسيطة في رأس الكاتب.

بقدر ما منحتْ التأملات الفلسفية روايتك عمقاً لكن ألم تخش أن تعوق القراءة أو تجعلها صعبة نوعا ما؟

كان من الممكن أن يحدث ذلك لو كان العمل مجرد مجموعة من التأملات الفلسفية الجافة، لكن ما حدث أنه كان هناك أحداث كثيرة ومتداخلة، كاتب يريد أن ينهى روايته، كاتب يشعر أنه الأفضل على الإطلاق وببساطة يشعر بعد دقائق بأنه عديم الموهبة تماماً، يتشكك في كل شيء من حوله يصادق ويثور على الصداقة، يغلق كل باب للحب أو الزواج، تأكل الكتابة عمره وحياته الحقيقية، يبدو كأنه يستبدل الخيال بالواقع، يستقبل صديقه الفنان التشكيلي ويستمع لأحلامه وطموحاته، يصادق غانية ويرى أنها قد تكون أكثر منه صدقاً وتحديداً لأهدافها، ينقلب عليهما فجأة ويقوم بطردهما من حياته، يفرح لتقدير ناشر له ثم يكتشف أن له غرضاً ما، هناك أحداث وهناك خيال وفانتازيا مثل تجسد وظهور الراوي العليم له، كل هذا جعل تأملات الكتابة ليست مجرد أفكار تخص مجموعة من الشخصيات، وإنما جزء من نسيج العمل وجزء كذلك من التطور الدرامي.

أين تضع هذه الرواية بين أعمالك الأخرى؟ هل يجمعها خيط رفيع بها أم أنك تعدها نقلة في اتجاه آخر؟

كلما شرعت في كتابة عمل جديد أتخيل أنه مختلف وأنني أخيراً خرجت من نفس الدائرة التي تستهويني بل وتشغلني، لكنني أكتشف أن هناك أصلاً ما أو جذراً ما يصل السابق بالجديد، وكنت أتخيل حين بدأت مع «عزيزتي سافو» أنني بالفعل أُغيِّر جلدي، وأفعل ما لم أكن أتخيل أنني سأفعله وهو كتابة رواية تاريخية أو رواية سيرة ذاتية، لكنني وصلت إلى نفس النتيجة في النهاية، أنني أعود إلى جذر ثابت في كتابتي.

أنا أعشق شخصية سافو وتفاصيل حياتها ومماتها وطريقة اكتشاف ما تبقى من أعمالها، كل ذلك كان ضاغطاً عليَّ لأكتبها، وبالفعل كتبت قصة سنة 2010 بعنوان «حكاية مع سافو» نُشرت ضمن مجموعتي القصصية «أساطير الأولين» عام 2012، وظلت تراودني من حينها فكرة أن أكتب رواية عنها، كنت أكتب وأتوقف بالشهور بل بالسنين، أهجر الفكرة تماماً ثم أعود إليها مجدداً، وهكذا كر وفر، حتى أمسكت بفكرة الكتابة التي ترتاح لها روحي، أن تكون رواية عن الكتابة وهمومها والمخاوف التي تنتابنا ككتاب، وليست عن سافو ذاتها، رواية أبث فيها علاقتي بالفن الذي أعطيته عمري، وحين انتهيت ونظرت لها من بعيد وجدتها لا تنفصل كثيرا عن منظومة كتاباتي، لكنني بالطبع سعيد بها لأنها حققت لديَّ حلماً قديماً وهو كتابة عمل إبداعي عن عملية الكتابة ذاتها بكل ما تحويه من عذاب ومخاوف وفرح وجنون وسيطرة كاملة على الحياة وطريقة تعاطيها.

ننتقل إليك.. متى بدأت الكتابة؟ ومن شجعك على الاستمرار؟

أنا من جيل سابق لأدوات المتعة والترفيه التي انتشرت فيما بعد، لم تكن هناك وسائل كثيرة للترفيه واللعب، ألعابنا كان معظمها ألعابا حركية، فيها تنافس شرس وتحدٍ طوال الوقت، وكان في اكتشاف عالم القراءة ومتعته متنفس كبير ومهم لخلق عالم خاص بي أكثر هدوءا وإنسانية، وبدأت عمل أول كشكول يخصني يحوي قصصي وأنا في الصف الرابع الابتدائي، حاولت فيه تخيل حكاية لكل مثلٍ شعبي أسمعه من جدتي، أحدد المَثل في ذاكرتي وأكتب قصة تُعبِّر عنه، لينطق أحد أبطال القصة به كحكمة في النهاية، وتوالت الكتابات ومحاولات التحسين والوصول لقصة أتمناها وما زلت أحاول الوصول إليها.

ما مصادر الرواية بالنسبة لك؟ هل يجب أن يعيش الكاتب تجربة حياتية قوية ليكتب أم أنك تؤمن بأن القراءة وحدها قد تخلق عملاً كبيراً؟

حين نكتب لا يكون هناك حدود فاصلة تجعلنا نتأكد إن كانت الأفكار تأتي عبر القراءة أم التجربة الحياتية، أتخيل أن كل تجاربنا سواء كانت قراءة أو مشاهدة، أو ممارسة، تنصهر وتشكل وعينا الذي يقودنا عند الكتابة، لا يمكن إنكار فضل أحدهما على الآخر.

أنت تكتب القصة كذلك وأصدرت مؤخرا مجموعة «من شرفة بيتهوفن» ما الذي تجده مختلفاً بين القصة والرواية؟

كتبتُ حتى الآن خمس روايات وخمس مجموعات قصصية، وأُقر أن القصة هي عشقي الأول. قضيت معها بداياتي ومحاولات تحسين كتاباتي، وكتبت العديد من القصص قبل أن أستقر على انتقاء أول مجموعة للنشر، ومع عشقي للرواية إلا أن القصة في ظني هي الفن الأرقى، كما أرى أن كل كاتب قصة حقيقي يستطيع كتابة رواية جيدة، ولكن ليس كل كاتب رواية يستطيع كتابة قصة جيدة، القصة فن كاشف وفضّاح.

لديك الكثير من الأخوة ما الذي أضافه لك ذلك؟ وما تأثير الأبوة عليك؟ هل تتعلم من ابنيك؟

أنا الأخ الأكبر لأخين وأختين، أنجبوا أطفالاً فأصبحت عماً وخالاً. الأطفال يجعلوني أنتبه إلى مسألة تقدمي في العمر.

والأطفال هم أجمل ما في الوجود، هم الوحيدون الذين يحصلون على وقت الكتابة دون أن أندم، أتعلم من الأطفال عامة، وأستمتع بتواجدي وسط الأطفال وملاحظتهم وملاحظة طريقة تعبيرهم وتصرفهم وردود أفعالهم، وإن كان ابني الأكبر مروان صار شاباً في الثانوية العامة، فتبدلت المتعة وصارت عبر الحديث وعبر النقاشات العديدة بيننا تعطيني أملاً كبيراً في هذا الجيل المختلف.

هل تشعر بأنك تحصل على حقك نقدياً وإعلامياً؟

الكتابة أعطتني أكثر مما أستحق على كافة المستويات، لأنني أصلاً لم أطلب منها أكثر من متعتي الشخصية، وكل ما يحدث بعد ذلك يفاجئني.

ما أبرز ملاحظاتك على الوسط الثقافي العربي؟

هو كأي وسط عمل به تنوع واختلافات ونزاعات وحالات رضا وحالات سخط، ولكن قوته الحقيقية في كل ذلك، فكما أن هناك كتاباً يعملون فقط على مشاريعهم، ويركزون فقط فيما يعملون، هناك من لا يعملون ويركزون على مشاريع غيرهم بالسخرية ومحاولة النيل منها ومنه.

يجب أن أتحدث عن الجانب الإيجابي بشكل أوضح. هناك من يمنح جزءاً من وقته للعمل الثقافي العام، وفي الحقيقة أنا أغبط هؤلاء، فهم يمتلكون الطاقة والقدرة على العطاء حتى أنهم ينفقون أعمارهم ويعطِّلون مشاريعهم من أجل الاحتفاء بآخرين، هذا أمر في غاية التفاني والإرهاق، الوسط كأي وسط آخر، بقدر ما به من أدعياء ومنتفعين، به محبون ومخلصون.

هل تصل الجوائز في العالم العربي إلى مستحقيها؟

بالتأكيد قد تصل وقد لا تصل، أرى أنه يجب ألا يشغلنا ذلك في الأساس، يجب أن تتغير فكرتنا وطريقة تعاملنا مع الجوائز، يجب أن ندرك تماماً أننا حين نتقدم لجائزة فهذا لا يعني أننا لا بد أن نحصل عليها، أو أن يحصل عليها أحد أصدقائنا، أو أن يحصل عليها أحد الذين يكتبون على طريقتنا أو وفق ذائقتنا، من الوارد أن يكون للجنة التحكيم رأي مخالف لتصوراتنا عن الكتابة، وبالتالي فلا يُمكن أن نجمل الجوائز كلها في جملة، ولا أن نجمل جائزة بكل دوراتها في جملة، كل جائزة من الممكن أن تُحكّم وفق معاييري، أو وفق معايير مختلفة وهنا لا بد أن أتقبل النتيجة، وبهذا المنطق لن يكون لدينا أي مشاكل مع الجوائز، ولكن ما يحدث حالياً هو أمر مزعج، فكلما أُعلنت نتيجة جائزة تظهر أصوات معترضة وناقمة وساخرة، حتى أنني صرت أشفق على من يحصل على جائزة، فهناك من يتربص بالفائزين ويسعى لتحطيم فرحتهم.

كيف تنظر إلى تجربة ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى واقتصارها غالباً على أقسام اللغة العربية بالجامعات الدولية؟ هل يمكن الاعتداد بهذا النوع من الترجمة واعتبار أن الأدب العربي وصل إلى العالمية؟

في وضعنا الراهن نحتاج لكل الجهود لنصل لقارئ جديد، أي أنني لا يمكن أن أقلل من جهد أقسام اللغة العربية بالجامعات الدولية، ولا أقلل من فرحة كاتب ما بترجمة أعماله عبر هذه الأقسام، فلو تُرجمت أعمالي فبالتأكيد سأهتم وسأرى أن ذلك أمر طيب، لكنني في نفس الوقت أنتظر الدار الأجنبية والمترجم اللذين يتعاملان مع كتابتي كفن فقط ولا يهتمان بها لأنها تخدم توجهاً أيديولوجياً لديهما. هذا ما أتمناه، أن يتم التعامل مع الأدب العربي كأدب، خاصة أنني مؤمن كما قلت سابقاً بأن كثيراً مما ننتجه حالياً يستحق أن تفرد له مساحة حقيقية على خارطة الأدب العالمي.

ما جيلك.. ومن الكتاب الذين تأنس برأيهم فيما تكتب وما المواقف التي جمعتك بهم؟

جيلي هو ما يمكن أن يطلق عليه الآن جيل الوسط، وهو مع أبناء الجيلين السابق واللاحق ينتجون أهم ما يُكتب الآن وجميعهم يحظى بتقدير مستحق.. فكرة الائتناس برأي لا أميل لها طوال الوقت، ولكن زوجتي دوماً هي أول قارئ وأهتم برأيها بشكل حقيقي، كذلك الأصدقاء محمد الفخراني ومحمد أبو زيد أكثر من أثق برأيهم، وما جمعني بهما هو أشبه بحياة كاملة، أعرفهما منذ عشرين عاماً، وكونَّا معاً ذكريات بها الكثير من الأفراح والأحزان والأحلام والنجاحات المشتركة.

هل يواكب النقد ما يصدر من المطبعة؟

عملية الإبداع كلها تقوم على فكرة الانتقاء، أنت ككاتب تنتقي فكرتك أو حكايتك من بين العديد من الأفكار والحكايات التي تلح عليك، وتختار طريقة السرد الملائمة لها، وبعد الانتهاء من الكتابة تأتي مرحلة المراجعة الشاقة، مرحلة تنتقي فيها ما يبقى وما يُمحى، وأنت كقارئ حين تقف أمام مئات الكتب تنتقي كتاباً واحداً لتقرأه، الناقد كذلك هو قارئ وكاتب وله نفس الحق في الانتقاء حسب ذائقته، أو حسب ما يخدم مشروعاً ما يعمل عليه، فقد يضطر للكتابة عن رواية قد لا تكون الأهم بالنسبة له فقط، وإنما لمجرد أنها تتناول موضوعاً يقع في مجال بحثة واهتمامه، هذا من حيث الانتقاء، أما من حيث كم المطبوعات مقابل عدد النقاد فالأمر الطبيعي ألا يتمكن النقد من المواكبة، لذا علينا التسليم بفكرة الانتقاء.

من هم أساتذتك.. وبمن تأثرت عربياً وعالمياً؟

هناك علاقة أشعر أنها أفضل وأعمق من فكرة الأستاذية وهي الشعور بالامتنان، فحين أقرأ عملاً جيداً أشعر بالامتنان لمن كتبه ولو كان مترجماً أشعر بالامتنان للكاتب وللمترجم، هناك كتب تجعلك تشكر في داخلك الناشر وعامل المطبعة وبائع الكتب وكل من أسهم في وصول هذه المتعة إليك، هذا الشعور ليس له علاقة بالسن ولا بالأجيال ولا بالأستاذية، فمن الوارد أن تقرأ لكاتب شاب وتشعر نحوه بشعور الامتنان هذا، وربما نكتب أيضاً لهذا المعنى: أن يوجد شخص ما في مكان ما يقرأ ويسعد ويقول: الله.

ما الذي ينقص الأدب المصري ليصل للعالمية؟

الأمر يشمل الكتّاب والمؤسسات، هناك كتاب جيدون لكنهم يحتاجون أن يفهموا الدور المنوط بهم، ألا ينسحبوا وراء أضواء كاذبة، أو وراء قضايا بلهاء تُلقى في طريقهم، أرى أن الكتابة تشبه الرهبنة، هناك مجموعة عليها أن تعيش هذه الرهبنة، ثم يأتي دور المؤسسات المختلفة، لا بد من الوعي بأن الكاتب الجيد هو ثروة وهو أحد أشكال القوة الناعمة للبلد، لا بد من الدعم والاستثمار في هؤلاء الكتَّاب.

بعض الأعمال الجديدة تركز على التجريب وينجح، وكثير منها يفشل ويتسبب في ابتعاد القراء، ما الأسس التي ينبني عليها التجريب؟

هذا سؤال مهم ويحوي العديد من الإشكاليات، فأولاً لا ينبغي أن نعتمد على القارئ في الحكم على إذا ما كان التجريب في العمل قد نجح أم لا، ولا ينبغي إذا ما قررت أن أمارس حقي في التجريب أن أنشغل بالقارئ أصلاً، ينبني التجريب على أساس مهم وهو الحرية، استشعاري الحقيقي والكامل لحريتي حين أكتب، ولا أقصد بالحرية هنا فقط ما يخص حريتي في اختيار «موضوع» حتى لو تماسَّ مع تابوهات، بل أقصد حريتي وتحرري حتى من قيود ذلك القارئ الذي ذكرته، أنا ألعب مع نصي لعبة تُمتعني، وأضع منطقا وقوانين وأسرارا خاصة بها، والقارئ سيفهم قوانين اللعبة ويصدق منطقي ومنطق النص بل وقد يكتشف أسراري مع النص وسيشعر بالاستمتاع، وسيصبح قارئي الذي أبحث عنه ويبحث عني، فلا كتابة بلا تجريب، لا بد أن يحمل كل نص هذه الروح، وإلا سيبدو حين أنظر إليه كالسمكة الميتة، لذلك لا ألوم أي نص به تجريب، حتى لو لم أتوافق معه سوف أرى أنه كُتب لقارئ غيري، وأقدِّر ما بُذل فيه من جهد، لكنني لا أطيق نصاً تقليدياً لا يحمل أي لعب أو جنون.

هل أنت مهتم بتوسيع رقعة قرائك.. وما رأيك في ظاهرة البيست سيلر؟

لا يوجد كاتب غير مهتم بتوسيع رقعة قرائه، ولا يوجد كاتب لا يتمنى آلافا بل وملايين القراء، الفكرة في تخيلك لشكل وصفة وطبيعة هذا القارئ، الصورة الذهنية للقارئ المرتقب تحدد شكل كتابتك، وكل كاتب يعرف بالتأكيد لمن يكتب، فإذا كنت تكتب لقارئ شديد القسوة على النص، له سقف توقعات معين، لذائقته اشتراطات خاصة، قرأ قبل روايتك مئات الروايات الهامة، لو تمكنت مع كل عمل من اجتذاب خمسة قراء جدد من أمثال هذا القارئ عليك أن تسعد.

ومن العظيم أن رقعة الكتابة واسعة، ويمكن أن يتعايش الجميع عليها متحابين دون أي إقصاء، فما المانع من وجود كافة أنماط وأشكال الكتابة؟

وفيما يخص البيست سيلر فكل ما يجعل كتاباً يُباع وقارئاً يقرأ هو أمر جيد، أيا كان شكل هذه الكتابة، وهنا لا بد من التنويه إلى أنه ليست كل كتابة تجتذب عدداً كبيراً من القراء هي كتابة تقليدية كما يُشاع، فما المانع من وجود كاتب ذكي يتمكن من عمل كتابة جيدة لها نكهتها الخاصة ولها عدة مستويات من التلقي وتجتذب الكثير من القراء.

بدت سافو في الكثير من المواضع كأنها تقدم نصائح كتابة للكاتب المتعثر خالد، فما هي النصيحة التي تحب أن تسترجعها معنا على لسانها وتوجهها للكتَّاب؟

لم يتخذ الأمر شكل النصائح داخل العمل قدر ما كان هناك حوار ممتد بينها وبين خالد على طول الرواية، ويمكن أن أتذكر الآن قولها لخالد عندما أشفقت عليه بعدما لاحظت ما يمر به من يأس: «اسمع يا صغيري أريدك أن تُهوِّن على نفسك، لا تجعل الأمور تضغط على أعصابك لهذا الحد، الكتابة ماكرة، لا تجعلها تقضي على حياتك، يؤسفني أن أقولها لك بهذا الوضوح، الكتابة لَعوب، لا تنظر لي هكذا، نعم، الكتابة لعوبٌ، تريد أن توهِمَكَ أنك عشيقها الأوحد، فتنتزعك، تستخلصك لنفسها فقط، تحصل على عصارة حياتك، لكنك لا بُدَّ أن تدرك لعنتها، الكتابة ملعونة يا عزيزي، تمتصُّ حياتك، تجعلك تعيشها فقط على الورق».

Read Previous

وجه ميرفت أمين يفضح “ترهّل” أفكارنا

Read Next

سلام الشماع .. الحياة تليق بك – أحمد صبري

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.