وجه ميرفت أمين يفضح “ترهّل” أفكارنا

كتبت: مايا الحاج

إذا كان المسدّس هو الاختراع الذي ساوى بين الضعيف والقويّ، فإنّ وسائل التواصل الاجتماعي هي التي وازنت بين الجاهل والمفكّر.

المنصّات الافتراضية منحت “فيالق من الحمقى” حقّ الكلام على ما قال أمبرتو إيكو. لكنّها لم تكتفِ بذلك، بل وهبتهم أيضًا “سيادة” المشهد وحصرية الكلام.

والأخطر، أنّ تأثير هؤلاء تجاوز العالم الافتراضي، ليُصيب عالمنا الواقعي، وينخره نخرًا، كالسوس في الخشب.

يكفي أن نُطالع عناوين الصحف والمواقع الالكترونية كي ندرك أنّ الصحافة صارت مُمغنطة، و”المُتابع” نفسه صار هو المغناطيس الذي يجذبها الى حيث يُريد.

قد لا نستغرب تعليقات مسيئة من حسابٍ خاصٍ هنا، ووهميّ هناك. ولكن أن تستوحي  صحف عريقة ومواقع معروفة “عناوينها” من تلك التعليقات، فهذا يُخالف العقل والمنطق؟

مغزى هذا الكلام؟ هو باختصار “تراند” ميرفت أمين. قبل يومين، تناقل روّاد السوشيل ميديا صورتها وهي في عزاء المخرج علي عبد الخالق، وراحوا يعلّقون على شكلها من دون مكياج. التفاعل مع الصورة حثّ الصحف إلى تناقلها والتعليق عليها بما يروق للمتابعين ويفتح شهيتهم على القراءة والمشاركة والتعليق.

تبادل الأدوار هنا له مؤشّرات مهمة، إن لم نقل خطيرة. إنها تُحدث حالة تُشبه انقلاب الهرم، حيث تغدو القاعدة هي القمّة.

فمن الصحافي، انتُزعت “حصرية” الخبر؟ ومن الناقد “سلطة” الرأي؟ ومن المثقف “سطوة” الكلام؟ وهذا لا شكّ كشف عن حقيقة المجتمع الذي نعيش فيه، نُشكّله ويُشكّلنا.

كأنّ مواقع التواصل جاءت لتستخرج من باطن هذا المجتمع “عقده” وتعرضها على السطح. قد نردّد ذلك رغم اقتناعنا بكلام هيسنارد في كتابه “العالم المريض بالخطأ”: “العقد ليست أشياء غريبة موضوعة في أعماق الكائن بل إنها أنظمة سلوك حاضرة دائما”، بمعنى أنّ هذه “العقد” كانت موجودة وظاهرة وإنما “تعمّمت” أكثر في زمن السوشيل ميديا.

ازدواجية المجتمع

وجه ميرفت أمين الحزين، و”المترهّل” (كما قيل)، هو الصورة الحقيقية، والمنطقية نسبةً إلى سنّها، أو طبيعة المناسبة الموجودة فيها. بل إنها الصورة الأجمل عن فنانةٍ متصالحة مع ذاتها، وملتزمة بواجباتها الاجتماعية، ومقتنعة بشكلها الذي ظلّ معادلاً لمعنى الجمال، في كلّ مراحله العمرية.

المتنمرون القابعون خلف شاشاتهم/ متاريسهم، هم المغلوبون واقعًا، والغالبون افتراضًا. يعوّضون عن شعورهم العميق بالدونية عبر إظهار مشاعر الاستعلاء، وهي في الحقيقة ليست سوى “عقدة” الاستعلاء. يخوضون معاركهم ضدّ كلّ شيء، وكلّ أحد، عسى أن يحققوا “نصرًا” مفقودًا.

ينتقدون، يشتمون، يحطّمون لعلّهم يرمّمون ذواتهم المدمرة. لو كانت ميرفت أمين قد شاركت في العزاء بوجهٍ “مُمكيَج” أو “مُفلتَر” لانتقدوها على قلّة احترامها لمناسبة حزينة مثل العزاء، أو لعلهم استهزأوا بها ونعتوها ب”المتصابية”، على غرار ما حصل مع نجمات أخريات.

ولو أنها نجمة أجنبية لاعتبروها مثالاً للطبيعية وراحوا يشيدون بها وبصدقها مع نفسها، ومع سنّها، على غرار ما يُقال عن ميريل ستريب مثلاً. لكنّ المجتمع العربي خبيرٌ بجلد الذات. وليس هذا التذمّر المستمرّ دلالةً على مزاجٍ “نكديّ” فحسب، بل يكشف عن مجتمعٍ مُصاب بالـ”المسنثروبيا” (Misanthropy)، وهي نوع من الاختلال النفسي تتمثّل في معاداة الناس وكراهيتهم.

وإذا كان “كاره البشر” يهرب عادةً من مواجهة الآخرين احتقارًا لهم، بحسب منظور كانط، فإنّه في العالم الافتراضي هو أكثر جسارةً مما عليه في الواقع. وغالبًا ما ربط العلماء بين هذه الحالة وطبيعة الحياة الصعبة التي يعيشها الفرد (الفاشلة، الفارغة، الرتيبة، المنكسرة).

وما ينطبق على الفرد ينطبق أيضًا على المجتمع. ولهذا، فإنّ حالة التنمّر الالكترونية ليست سوى شاشة تعكس هشاشة مجتمعاتنا وفراغها وترهّلها الناتج من عقودٍ من الصراعات والنكبات والانكسارات.

“الصدمة” تجاه ميرفت أمين ليست جديدة. ما حدث معها اليوم، عاشته نجلاء فتحي قبلها. ونجمات أخريات أيضًا. وهذا إنّ دلّ فعلى صورة أخرى من “التعنيف” المُمَارَس ضد النساء. هنّ المُراقبات منذ الولادة. والمحاصرات دومًا بمعايير مثالية، أخلاقيًا وشكليًا.

فالتقدّم في العمر هو سيرورة طبيعية عند الرجل. الكرش، الصلع، الشيب… كلّها علامات مقبولة اجتماعيًا، بل تدعمها أمثلة لكي تصير مرغوبة في بعض الأحيان، كقولهم: “الشيبة هيبة”، و”الرجل من دون كرش لا يساوي قرش”… وإذا حافظ الرجل على “شبابه” فإنه يغدو مادةً للتندّر والتهكّم كما هي الحال مع عمرو دياب. لأنّ الرجل في مجتمعاتنا مُتخفّف من “أعباء” كثيرة، لمجرّد أنه رجل.

أمّا المرأة المُلاحقة بشبح “سنّ اليأس”، فعليها أن تكون تمثالاً من الشمع، لا تسمن، لا تتعب، لا تشيخ!

ميرفت أمين ما زالت جميلة. ولا تحتاج مزيدًا من التجميل. أفكارنا هي الأوْلى بأن نُجمّلها.

Read Previous

ترتيب خلافة العرش البريطاني بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية

Read Next

هاني عبد المريد: كل كاتب قصة حقيقي يستطيع كتابة رواية جيدة.. والعكس غير صحيح

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.