خبير سياسي يستعرض جذور الصراعات واستراتيجيات السلام في العالم

لندن – ضد الارهاب

شكل تفاقم وتيرة الصراعات المسلحة والحروب الأهلية وتلك العابرة للحدود الوطنية عبئاً على شعوب العالم، ومهدداً للاستقرار والسلام العالمي. وتعد الحرب الروسية- الأوكرانية، وتأثيراتها المختلفة، خير دليل على تداعيات الحروب المعاصرة، وتكاليفها المتعددة على البشرية، الأمر الذي يفرض ضرورة النظر في أسباب الحروب والصراعات، وعوامل تفاقمها، وتراجع القدرة على تسويتها.

وطرح عالم السياسة والاقتصاد، كريستوفر بلاتمان، في كتابه «لماذا نحارب: جذور الحرب وطرق السلام»، رؤية معمقة لمسببات الحروب، والطرق المختلفة التي يتم من خلالها إقرار السلام بين الثقافات والمجتمعات. ودرس الباحث دولاً عدة تعاني صراعات مسلحة، مثل السودان، وغيرها، ومناطق أخرى تعاني حروب العصابات المختلفة.

مسببات الحروب

يرجع اندلاع الحروب لأسباب متباينة، تختلف وفقاً للسياق والظرف الخاص بكل حالة على حدة، بيد أن الكاتب قد عدد القواسم والمسببات المشتركة التي يمكن القول إنها مظلة عامة لاندلاع الحروب بين الدول والجماعات، سواء أكانت حروباً قومية أو حروباً أهلية أو صراعات عرقية أو حروب العصابات. ويتطلب مواجهة الصراع، وإحلال السلام، فهماً حقيقياً للدوافع الكامنة خلفها، ويمكن القول إن تلك الأسباب تتجلى في الآتي:

المصلحة الذاتية للقادة: يُعد هذا السبب من ركائز اندلاع الحروب في ظل الحسابات الضيقة والشخصية للقادة، التي قد لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات المجتمع، ما يدفع الدول والجماعات للانخراط في صراعات طويلة الأجل، ولا يرتبط هذا السبب بديمقراطية الأنظمة السياسية من عدمه، وإنما ينجم بصورة رئيسة من وضعية الخلل في كفاءة نظام الضوابط والتوازنات الداخلية في تلك الأنظمة، ويدلل الكاتب في ضوء ذلك بحالة ليبيريا، التي شهدت صراعاً دموياً في عام 1989، وذلك رغبةً في الهيمنة والسيطرة على الثروات والموارد الطبيعية.

الحوافز غير الملموسة وتعظيم الأيديولوجيا: يُعد الانتماء لأيديولوجيا معينة، سواء دينية أو ثقافية أو فكرية، أو التعصب لطائفة معينة، محفزاً للجماعات داخل المجتمع للانحياز للعنف والصراع والحروب في مقابل نبذ السلام، كما هي حال التمرد الأميركي على بريطانيا في ظل تزايد وتيرة الأيديولوجية الجديدة الخاصة بتقرير المصير، وكذلك مساعي أدولف هتلر لنشر أيديولوجيته من خلال الحرب العالمية الثانية على نطاق أوسع، حفاظاً على ما زعمه حول الجنس الألماني.

اختلاف المزايا المادية والمعنوية: تندلع الحروب بسبب الرغبة في استحواذ أحد الأطراف على المزايا المادية أو المعنوية التي يحظى بها الطرف الآخر، ما يدفع الحكام إلى تنشيط التحالفات المختلفة والتعبئة الجماهيرية للقوات للتأهب لخوض حرب مع الطرف الآخر، فالحروب تبدأ عندما تختلف الدول المتحاربة على قوتها النسبية.

اختلال التوازن والالتزام: فأحد الدوافع وراء قيام دولة باستخدام العنف وإعلان الحرب على دولة أخرى هو حالة التخوف والترقب من اختلال توازن القوى مع هذا الخصم، ويدلل على ذلك حالة الغزو العسكري الأميركي للعراق عام 2003، الذي كان ناجماً بالأساس من التخوفات الغربية من تطوير العراق ترسانته العسكرية، إذ تشكل حالة التنافس وتطلعات الدول للتوسع في امتلاك القوة والمكانة عبر المزاحمة مع القوى المحيطة، دافعاً وراء اندلاع الصراعات، بسبب سوء التقدير لقدرات ومقومات الدول المستهدفة، ويرى الكاتب أن مشكلة الالتزام تُعد أكبر عائق أمام تسوية الحروب الأهلية.

التقديرات الخاطئة للقوى المتبادلة: أحد الأسباب التي يُعزى إليها اندلاع الحرب يكمن في المفاهيم والتقديرات الخاطئة بشأن قوة الخصم، وقدرة المجتمع الدولي على معالجة أي خلل مستقبلي بين أطراف الصراع، ولعل هذا السبب وراء اندلاع الحروب يتزايد في ظل تعمد أطراف الصراع انتهاج تكتيك الخداع والتضليل، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة سوء الفهم لدى الطرف الآخر، فنقص المعلومات يتعارض مع مسارات تحقيق السلام، هنا، تعد «حرب السنوات السبع» نموذجاً لذلك السبب، خصوصاً أنها دارت بين معظم الدول الأوروبية بين عامي 1756 و1763 على خلفية التوسع، ما أدى إلى صراع عالمي ممتد، وقد برز هذا الأمر أيضاً في وضعية الغزو الأميركي للعراق، فالنظام العراقي جاءت تقديراته للموقف العالمي خاطئة، في ظل اعتباره ضمناً أن كلاً من روسيا وفرنسا – كأحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين – لن توافقا على غزو العراق.

استراتيجيات السلام

وضع الكاتب عدداً من الاستراتيجيات الخاصة بإقرار السلام، والحيلولة دون تفاقم النزاعات والحروب الأهلية بين الدول والجماعات، منها:

استراتيجية الردع: فغياب هذه الاستراتيجية يدفع في اتجاه نشوب الحروب، أياً كانت طبيعتها، وضرب الكاتب مثالاً على ذلك بحروب العصابات داخل شيكاغو، التي تفتقر لحالة الردع وغياب المسؤولية أمام المجتمع، ما يحفِّز لديهم طابع العنف والعدوان في سبيل بناء صورة ذهنية حول قدراتهم. في المقابل، فإن الردع يقلل من الصراعات، وهو الأمر الذي ينطبق على حالة الولايات المتحدة داخل أفغانستان، حيث اتبعت نهجاً داعماً لبناء سمعة أو صورة ذهنية رادعة حول القدرات العسكرية الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر، لتكون إنذاراً وتحذيراً للدول الأخرى والجماعات الإرهابية إذا فكرت في مهاجمة الأراضي الأميركية.

استراتيجية التهديد: وهي تؤثر في مسارات إحلال السلام عبر الدور الذي تلعبه المؤسسات الدولية والمنظمات المعنية بالسلام من خلال التهديد بالعقوبات أو المحاكمات الدولية التي تختص بها تلك المؤسسات، كما هي الحال بالنسبة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يُعد أداة للرقابة، ووسيلة للتعاون بين الدول.

استراتيجية المساءلة: نظراً لكون التحيز للحرب يخضع بالأساس لمجموعة من المخاطر والمكاسب المختلفة لدى القادة، وتناقض المصلحة والحوافز الخاصة للقيادة مع المصلحة العامة، فإن المُساءلة قد تؤدي دوراً مهماً لضبط هذا الخلل، فالمُساءلة من خلال نسق مجتمعي ومؤسساتي، داخل الدول، قد تسهم في مواءمة مصالح الحكام مع مصالح الجمهور، وهو الأمر الذي يحقق قدراً من التوازنات الداخلية التي تسهم بصورة كبيرة في تحقيق السلام.

استراتيجية المعلومات: وهي تعني التفعيل الإيجابي للمؤسسات الدبلوماسية والأجهزة الاستخباراتية داخل الدول للتواصل مع الأطراف الأخرى، من أجل تدقيق ومعالجة المعلومات الأولية، والحصول على التقييمات الدقيقة، ما يقلل من مخاطر الحرب، حيث إن نقص المعلومات يتعارض مع فرص إحلال السلام.

استراتيجية التنمية: وهي تعني أن التنمية الاقتصادية والمصالح التجارية المشتركة، وما أحدثته العولمة من تطورات في علاقات الدول مع بعضها بعضاً يعد عاملاً لتقليل الصدام والحروب، ويدلل الكاتب على ذلك بالفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، والتي جنّبت أوروبا لنحو 100 عام الحروب، نظراً لما أحدثته الثورة الصناعية من تغيير في الأفكار والتوجهات المختلفة، وباتت هناك تنمية اقتصادية أوجدت طبقات مجتمعية جديدة، كما شكلت حافزاً نحو الحقوق السياسية.

ختاماً، فإن فشل الدول في تحقيق السلام الدائم وحل النزاعات سلمياً، لا يعني أن الحرب أمر شائع، بل هي الاستثناء وليست القاعدة، ويرى الكاتب أن المسارات المشتركة للسلام تتمثل في اتباع استراتيجيات العقاب والردع لمواجهة أي تحرك محتمل للدول القوية في استخدام العنف، مع العمل على ضمان الالتزام بالاتفاقيات والمبادئ الأساسية للمنظومة العالمية، والتيسير في تبادل المعلومات، وفتح نافذة الحوار والمساومات لتقليل مخاطر الانزلاق في الحروب، مع تحقيق تنمية مجتمعية، وتعزيز التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لتجنب المفاهيم الخاطئة والأطر السلبية للنزاعات والحروب. مركز «المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة».

Read Previous

استمرار المواجهات بين واشنطن وميليشيات طهران في سورية

Read Next

ترتيب خلافة العرش البريطاني بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.