هل المبررات كافية لحظر الفيلم الدرامي التاريخي البريطاني “سيدة الجنة”؟

هل المبررات كافية لحظر الفيلم الدرامي التاريخي البريطاني “سيدة الجنة”؟

 

 

 أثارت قرارات حظر عروض فيلم “سيدة الجنة” في بريطانيا ودول أخرى اهتمام وسائل الإعلام في عالمنا. لكنّ الملفت للانتباه في تعاطي الإعلام العربي والإسلامي مع هذه المسألة هو تأييد شبه كلّي للموقف السنّي المعارض للفيلم والامتناع عن عرض الموقف المعاكس، بعيدا عن الحيادية والموضوعية الإعلامية، مع أنّه “في كلِّ موضوعٍ قولان، وفي كل قضيّةٍ رأيان، وفي كل قصّةٍ وجهان، وليس في الكون لون بل ألوان، والحقيقة شيء لا يملكه الإنسان.”

فارتأيت من خلال هذا المقال السعي للنظر في مبررات المحتجّين، وعرض وجهات نظر مؤيدي الفيلم، بما تأتّى من موضوعية، والتساؤل أخيراً عمَّا إذا كانت المبررات مشروعة، كافية لحظر فيلم ملحمي بريطاني في التراب البريطاني المحايد، ورمي الإنتاج السينمائي ب”التجديف”.

 

 جدل في الأحداث

 يرتكز نقد سيدة الجنة بشكل واسع على الوقائع التاريخية التي يرصدها.  إذ يؤكد المتظاهرون، ومعظمهم من أهل السنة، أنّ الفيلم لا يصوّر الأحداث التاريخية بدقّة، مصرّين على أنه “ينشر معلومات كاذبة عن الإسلام”. والفيلم في الحقيقة لا يعرض أحداثا من نسج الخيال، وإنما وقائع تاريخية وفقا لمعتقدات شيعية يسلّم بها ملايين المسلمين، وهو ما أكده كاتب السيناريو ياسر الحبيب الذي قال “إنّ الفيلم دقيق تاريخيًا 100 بالمائة ويتوافق مع العقيدة الإسلامية.” منتج الفيلم عبد الملك شليبك أكد من جهته أنّ الفيلم أنتج عن حسن نيّة. قال في مقابلة: “سيدة الجنة شخصية مهمة جدا بالنسبة لنا. وقد كان لها بالغ الأثر في حياتي شخصيًا.  فنحن شغوفون بتقاسم قصة السيدة مع العالم “.

 اختلافات أهل السنة والشيعة لا تنحصر في نظرتهم إلى الصحابة وأمهات المؤمنين والمهدي المنتظر والآذان وأساليب التعامل والطقوس والمراسيم، بل تتعدى كل ذلك لتشمل الأحداث التاريخية، ومنها ظروف وفاة فاطمة.  بينما يؤكد علماء السنة أنها ماتت حزنًا على فقدان والدها، فإنّ المؤرخين الشيعة يجمعون على أنها ماتت بعدما دوهم منزلها لإجبار زوجها علي بن أبو طالب على مبايعة أبو بكر، أول خليفة بعد وفاة رسول الله.

 الملفت للنظر دعم بعض الروايات السنية الآراء الشيعية.  قال الكاتب ابن عبد ربه: “أما علي والعباس والزبير فبقوا في بيت فاطمة حتى أرسل أبو بكر عمر لإخراجهم.  وأمر أبو بكر عمر قائلاً: ‘إذا رفضوا فقاتلهم!’ فاقترب منهم عمر بنيران مشتعلة ليحرق البيت عليهم.  فخاطبته فاطمة قائلة: ‘يا ابن الخطاب أأتيت لتحرق بيتنا؟!’ فقال: ‘نعم إلا إذا فعلتم ما فعله الناس وبايعتم أبا بكر.'”(العقد الفريد 4:93).

جدير بالذكر أنَّه رغم الآراء المتضاربة بين أهل السنة والشيعة في وفاة فاطمة، فإنهم يتفقون على نشوب خلاف ما بين فاطمة وأبو بكر وأنها ماتت غير راضية عنه.

 

 تمثيل النبي والصحابة

 كان تمثيل  النبي والصحابة أمثال أبو بكر الصديق،  وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، من أهم العوامل المثيرة لغضب المحتاجين، وهو ما ينتقده المنتج التنفيذي لفيلم سيدة الجنة. قال في حوار، “لقد حملت هذه الجماعات المتطرفة العالم الغربي على الاعتقاد أنّ ثمة فتوى شاملة في الإسلام بعدم جواز تصوير النبي.  وذلك كذب، فالعالم الإسلامي متنوع للغاية، مع وجود آراء مختلفة وفِرق تسمح بتصوير النبي، على أن يتم ذلك بأسلوب معين…  وأكبر رجل دين شيعي في العالم يسمح بذلك، بشرط ألا يُنتهك شرفهم وكرامتهم “.

 جدير بالذكر أنّ القرآن الكريم لا يحرّم تصوير الله أو النبي تحريما صريحا، لكنّ كثيرا من المسلمين يعدّه تجديفا، مستشهدا بقوله تعالى: “فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.” (سورة الشورى/الآية 11).

ويقول صناع الفيلم إنّه لم يقم أي ممثل بلعب دور النبي أو فاطمة حيث استخدمت صور مبهرة، وهو ما أكدته صحيفة الغارديان البريطانية: “لا يلعب دوره (النبي ) أو أدوار الشخصيات المقدسة الأخرى في محيطه أيُّ ممثل… فغالبا ما تداري وجوههم أشعة شمس مبهرة، من إنتاج الكمبيوتر”.

 تصوير النبي ليس حديث العهد، إذ نجد آثار رسومات في القرون الوسطى، في عصر الإمبراطوريتين المغولية والعثمانية. وليس ثمة ما يوحي بأنها صدرت عن سوء نية، وإنما من باب الإعجاب والتفاني، وهو ما أكدته لشبكة أخبار البي بي سي الأستاذة منى صديقي من جامعة  إدنبرة: “إن غالبية الناس رسموا هذه الصور بدافع الحب والاحترام، وليس عبادة للأصنام”.

 وما زالت الصور تُستخدم هنا وهناك. قال حسن يوسفي إشكفاري، رجل دين إيراني سابق، مقيم  في ألمانيا، للبي بي سي، “لا زالت صور النبي معلقة في العديد من المنازل الإيرانية. من وجهة نظر دينية، لا يوجد حظر على هذه الصور. فهي موجودة في المتاجر وكذلك المنازل. ولا يُنظر إليها على أنها إهانة، سواء من وجهة نظر دينية أو ثقافية “.

 

 خطر الطائفية

 وصف المتظاهرون سيدة الجنة بالفيلم “المثير للشقاق”. وسارع  المجلس الإسلامي البريطاني، أكبر هيئة إسلامية في البلاد، إلى إصدار بيان يوم 5 يونيو/حزيران 2022، جاء فيه: “إن المجلس الإسلامي البريطاني، الذي يمثِّل بفخر فروعا من مدارس فكر مختلفة في عقيدتنا، يدعم هؤلاء العلماء والقادة الذين يدعون إلى مزيد من الوحدة والصالح العام “.

 من الردود الأخرى إصدار حكومات في العالم الإسلامي قرارات بمنع عرض الفيلم مثل إيران التي اتهمت الفيلم بالسعي لتقسيم المسلمين. قالت عنه صحيفة (طهران تايمز)، “هذا الفيلم الذي اشتهر كاتبه بإثارة الفرقة والفتنة، سيحيد المسلمين عن الوحدة.”

 لكنّ الحقيقة المرّة أنّ الشرخ بين أكبر طائفتين في الإسلام ليس جديدا، إذ يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، ممتدا عبر حقبة قدرها 1400 سنة. فقد اندلع في فجر الإسلام، عقب وفاة النبي في عام 632. وظلّ الخلاف يختمر تحت السطح لقرون طويلة، أشبه بالحرب الباردة، ليندلع بشكل حاد في العقود الماضية، مكتسيا طابعا سياسيا أكثر منه دينيا، مؤديا إلى صدامات طائفية وأحداث عنف في إيران والعراق واليمن ولبنان ودول أخرى في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

الاختلاف السني الشيعي حقيقة لا يمكن نكرانها. فبينما يؤمن أهل السنة بوجوب تحريم هذه الصور، يبدو الإسلام الشيعي أقل صرامة، متقبلا ذلك في إطار الاحترام وعدم التشويه. اختلاف الرؤى والمواقف هو ما يفسّر انتشار صور تجسّد النبي يعود تاريخها إلى القرن السابع في بلاد فارس. ولا تزال هذه الصور تستخدم في المنازل والمتاجر الشيعية، خفاءً في جل الأوقات، إلى يومنا هذا. ويبقى المسلمون منقسمين بين مؤمن بالحظر ومدافع عن الإباحة، في غياب حظر محددٍ بيّنٍ حاسم في القرآن الكريم.

 يتجلّى الاختلاف السني الشيعي أيضا في سيرة السيدة فاطمة. والفيلم من إنتاج شيعي، يتابع سيرتها من منظور شيعي محض، ويعكس وجهة النظر الشيعية السائدة، التي يدعمها عدد من المؤرخين، ويؤمن بها ملايين الشيعة في العالم، في ظلّ الروايات المتنوعة، وغياب الأدلة القاطعة.

 

ثقافة الإلغاء وحرية التعبير

 الاختلافات القائمة منذ الأزل بين أهل السنة والشيعة تقودنا حتما إلى التساؤل عما إذا كانت الاحتجاجات الأخيرة ضرورية.  فإن كان المحتجون يعترفون بوجود مذاهب أخرى مختلفة ويؤمنون بوجود اختلافات بين أكبر طائفتين في العالم الإسلامي في مسائل الإمامة والعصمة والسنة وعدالة الصحابة، فهل ثمة ما يبرر اعتراض طائفة على تصوير طائفة أخرى معتقداتها المختلفة؟ وما الذي يمنع المحتجين من تصوير حياة السيدة فاطمة من منظور سني يرونه صحيحا، معبرين عن الرأي الآخر دون الحاجة إلى تعصب؛ والسعي لبناء عالم منفتح متسامح متقبل للرأي الآخر، على أساس “وجادلهم بالتي هي أحسن”، و”لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ”؟

المثير للاهتمام في “واقعة فيلم سيدة الجنة” هو انتقال عدوى الصراع المذهبي ومساعي فرض الرأي الواحد من الشرق إلى الغرب، وبالتحديد إلى الجزر البريطانية، عن طريق مهاجرين، لجأ إليها كثير منهم طلبا للحماية والحرية. وها هم اليوم يشاركون في نشاطات ينظر إليها المجتمع البريطاني المسالم متعدد الأعراق والديانات والثقافات على أنها تعدي على الحريات وانتهاك لحقوق الإنسان وجزء من ثقافة الإلغاء المرفوضة، يجسّده تصريح وزير الصحة البريطاني، ساجد جافيد، “إنني قلق للغاية بشأن ثقافة الإلغاء المتنامية في هذا البلد.”

 وبينما يتنازع أهل السنة والشيعة في أحداث تاريخية قديمة اختلف فيها الرواة والمؤرخون، قد تقع الحقيقة في منتصف الطريق بين الطائفتين، وسط الروايات المتضاربة، مثلما أشار الأكاديمي الأمريكي حسن عباس، مؤلف كتاب (وريث النبي علي بن أبي طالب) في قوله:  “الحقيقة يمكن أن تكون في مكان ما بينهما.”

 وعلى ذكر إثارة الشقاق الطائفي، يبقى التساؤل في الختام: كيف يمكن تحقيق الوحدة والوئام والسلام بين أهل السنة والشيعة وأتباع بقية المذاهب الإسلامية؟  هل يتأتى ذلك بالخصام والترهيب والسعي لفرض قيم ومعتقدات طائفة على طوائف أخرى بذريعة امتلاك الحقيقة؟ أم من خلال الإيمان بوجود اختلافات مذهبية والاعتراف بحق كل فئة وفرد في حرية الفكر والمعتقد والتعبير دون شعورٍ بالضغط أو التخويف؟

Read Previous

رواية “ماتَت رجُلًا”- إشكالية الجنس وصمت الجدران

Read Next

سبل الرقي بلاغة وتعبير

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.