حكايات الدرج: رواية نِسويّة الهوية، إنسانية الهوى

بقلم: أُسَيْد الحوتري

 

 

(حكايات الدرج) رواية لها من اسمها نصيب، حيث أهدى الروائي الأردني مجدي دعيبس للقارئ بوتقة من الحكايات التي دارت أحداثها على ضفتي درج في حي الأرمن، في منطقة الأشرفية، في العاصمة الأردنية عمّان. (حكايات الدرج) رواية عمّانية تضم بين جنباتها مجموعة منوعة من الحكايات التي جعلت من قراءة الرواية نزهة خيالية ماتعة. تنتمي هذه الرواية إلى المدرسة الأدبية الواقعية الانتقادية والتي تصور وتشخص الأمراض الاجتماعية دون التطرق لسبل العلاج، وتترك وصف العلاج إلى القرّاء والمختصين وإلى من يهمه الأمر. تتشابه الأمراض الاجتماعية التي تطرحها الرواية مع أمراض اجتماعية تطرقت لها روايات أخرى واقعية انتقادية عالمية وعربية، حتى أن الفضاء الذي دارت به أحداث (حكايات الدرج)، يشابه إلى حد كبير فكرة “الحارة” التي قامت عليها الكثير من الروايات العربية عموما، وروايات نجيب محفوظ على وجه الخصوص، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر (حكايات حارتنا) و(الحب فوق هضبة الهرم)، و(زقاق المدق). والذي يناظر “الحارة” في رواية دعيبس هو الحي: حي الأرمن، أو البيوت المنتصبة على طرفي الدرج الواصل بين حي الأرمن ووسط البلد.

 

تعددت وتشابكت وتراكبت أحداث (حكايات الدرج) بشكل ملفت، ما أن ينتهي حدث حتى يفتح السرد أمام القارئ بابا جديدا لحدث آخر. إلا أن كثرة الأحداث لازمتها كثرة في الشخصيات، ولقد أحصيتُ منها ما يقارب الأربعين شخصية، وهذه الكثرة قد تكون مربكة للقارئ الذي صار لزاما عليه أن يحفظ العلاقات التي تربط هذه الشخصيات بعضها ببعض حتى يتسنى له ربط أحداث الرواية ببعض دون أن تنسل الحبكة من بين يديه وهو عن ذلك من الغافلين.

 

تتكون الرواية من ثلاثة فصول، الفصل الأول يحمل اسم: نجوى، والفصل الثاني يحمل اسم سحر، أما الفصل الثالث والأخير فيحمل اسم هبة، وهذه الأسماء تشير إلى ثلاث صديقات مراهقات وزميلات في الدراسة. هذه الصداقة تذّكر برواية (بنات حواء الثلاث) للكاتبة التركية (أليف شفاق) والتي سردت قصة ثلاث صديقات أيضا: (بيري) التركية، ومنى المصرية، وشيرين الإيرانية. مع أن الفضاء الذي دارت به أحداث (بنات حواء الثلاث) مختلف عن فضاء (حكايات الدرج) إلا أن هنالك ثيمات كثيرة مشتركة بين النصين وخصوصا فيما يتعلق بقضايا المرأة من مطالبات بحقوقها، والسعي لرفع الظلم عنها.

 

وبما أن الشخصيات الرئيسية في (حكايات الدرج) هي شخصيات أنثوية فالرواية تُسلم نفسها طواعية للنقد النسوي. لقد أبدى مجدي دعيبس تضامنه التام مع المرأة المظلومة ونادى بمنحها حقوقها ورفع الظلم عنها، وتم ذلك عبر لسان عدد من شخصيات الرواية، فها هي هبة تبدأ الفصل الثالث قائلة: “نرفض أن نكون مواطنات من الدرجة الثانية في هذا الكوكب”، ثم تضيف: ” بنات حواء يستحققن أكثر من هذا بكثير”. (دعيبس، 2019، ص120). أما سحر فكانت في كثير من الأحيان تؤيد ما تقوله هبة، تقول سحر: “أحيانا أرى أن كل ما تقوله هبة صحيح. ما تزال كلماتها تموج في مخيلتي وكأنها صدى ضمير الجنس اللطيف. الحقوق تنزع ولا تعطى. علينا إجبارهم على الإصغاء لما نقول وليس استجداءهم والخضوع لصوتهم الذكوري”. (نفس المصدر، ص78). هكذا يتضح أن هنالك صراعا قائما بين الرجل المرأة، وأن المرأة تحاول أن تنتزع حقوقها، وأن ترفع عن نفسها ما لحق بها من الظلم. ومن صور الظلم الذي لحق بالمرأة قصة (المس) نادية التي تتزوج رجلا من جنسية عربية، فيخدعها ويستولي على مالها ويفر عائدا إلى بلده. كما إن الضرب الذي كان يكيله والد الخياطة أم نجوى لزوجته هو مثال آخر على طغيان الرجل واستقوائه على المرأة. لقد كان والد الخياطة أم نجوى “يعمل سائقا لشاحنة نقل كبيرة. يغيب لأسابيع ويعود ليذيقها المر والعذاب. في الليلة الأولى لعودته يضربها حتى يتورم وجهها ويحمر جلدها ثم ينام”. (نفس المصدر، ص97). كما أن الرواية عرضت جريمة قتل قام بها أبو حنا الأرمني حين ” أمسك بمقبض المكواة وهو ينتفض مثل ديك مذبوح وضرب [به زوجته] بقوة النفس الأخير خلف أذنها” (نفس المصدر، ص127). قد يقول قائل إن أبا حنا كان يدافع عن نفسه، وهذا ما شهدت به ابنته نجوى، هذا صحيح ولكن من المؤكد أن أبا حنا ظلم زوجته ونفسه وابنته عندما سمح لكرة الثلج أن تتدحرج وأن تصل إلى ما وصلت إليه. لقد كان بإمكانه أن يقلع عن معاقرة الخمر على أقل تقدير حتى يتجنب جلسات الضرب المتكرر الذي كان يتعرض له كل ليلة وهو غارق في سكره.

 

هذا ولم يتوقف الروائي دعيبس عند هذه النقطة، بل عرض علاقة الرجل بالمرأة من الزاوية الأخرى. وكانت الخياطة أم نجوى المثال الواضح…

 

Read Previous

رواية الجهة السابعة – سليم النجار

Read Next

“جيش الظل”- المحامي الدكتور فراس ملكاوي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.