هل عكسَ وجود الظواهري في كابول خلافات داخل طالبان؟

كتب: جورج عيسى

على وقع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، انتشرت توقعات بإمكانية تجديد حركة “طالبان” أفكارها. في أغسطس (آب) 2021، حثّ قائد الجيش البريطاني السابق نيك كارتر العالم على منح “طالبان” مساحة لتشكيل حكومة جديدة في أفغانستان. “قد يكون أنّ “طالبان” هذه مختلفة عن تلك التي يتذكرها الناس من التسعينات”. ولم يستبعد الجنرال البريطاني احتمال أن تكون الحركة قد أصبحت “أكثر عقلانية” و”أقل قمعاً” إذ هنالك “بعض المؤشرات إلى أنها أكثر منطقية”.

في الفترة نفسها، كتب أناتول ليفن من “معهد كوينسي لفنّ الحكم المسؤول” مقالاً في مجلة “فورين بوليسي” رجّح فيه إمكانيّة الوثوق بتعهّد “طالبان” عدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين ومنهم تنظيم “القاعدة”. ذكر ليفن أنّ قادة “طالبان” كانوا آمنين في السلطة قبل مجيء “القاعدة” وتدمير أمانهم. لن يكرّروا ذلك ويجلبوا على أنفسهم غارات أميركيّة جديدة ودعماً للحركات المقاومة. وبما أنّ الحركة بحاجة إلى دعم كلّ من الصين وروسيا وإيران وباكستان سيكون ذلك سبباً ثانياً لعدم إيواء “القاعدة”. ولفت الكاتب إلى أنّ “طالبان” تتمتّع بعلاقات مع عناصر من ذلك التنظيم، وقد لا تقوم بطردهم، لكنّه رجّح أن تكبحهم.

إلى الآن، يبدو أنّ هذه التوقعات كانت متفائلة. أن يجد زعيم “القاعدة” السابق أيمن الظواهري ملاذاً في بيت يعود لأحد عناصر “طالبان” وسط العاصمة وفي حي شيربور الفاخر قبل أن يستهدفه الأميركيون في غارة الأسبوع الماضي يعني أنّ الحركة ليست جادّة في تنفيذ تعهّداتها كما رأى كثر.

“كبش محرقة”

امتلك المبنى الذي عاش فيه الظواهري وزير الداخلية في حكومة “طالبان” سراج الدين حقاني، رئيس الشبكة التي تحمل الاسم نفسه والموضوعة على لائحة الإرهاب الأميركية. وعرضت واشنطن عشرة ملايين دولار كمكافأة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله. أخبر مدير أمني في “طالبان” شبكة “سي بي أس” الخميس أنّ سراج الدين حقاني هو الآن “تحت ضغط هائل” بما أنّ أعضاء من الحركة يلومونه بسبب سماحه للظواهري بالسكن في كابول وقد يستخدمونه كـ”كبش محرقة لتفادي أي عواقب إضافية”. وحمّله أعضاء من الحركة المسؤولية بصفته وزيراً للداخلية “يجب أن يبقي عينيه على الجميع في كابول”. قد يكون هذا اللوم جزءاً من تبادل أدوار مقصود بين “طالبان” وشبكة “حقاني”. لقد سبق للظواهري أن بايع زعيم “طالبان” السابق الملا أختر منصور والحالي هبة الله أخوند زاده. وهذا يظهر عمق العلاقة الدينية والسياسية بين الطرفين.

في السياق نفسه، رأت هيئة التحرير في “واشنطن بوست” أنّ الحركة منحت “القاعدة” ملاذاً أمنياً مجدداً. وخلصت إلى أنّها نكثت بتعهداتها التي قدمتها بموجب اتفاق الدوحة في فبراير (شباط) 2020 ممّا يعني أنّ “نظام طالبان الجديد ليس أفضل وهو ربما أسوأ من ذاك الذي حكم في التسعينات”، حيث أشارت الصحيفة أيضاً إلى سوء إدارته للاقتصاد وتعامله مع الأفغانيات.

ليست متجانسة

لا يلغي ذلك أنّ ثمّة فصائل وخلافات عدّة داخل “طالبان”. خلال عملية تشكيل الحكومة بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، برز صراع بين الملا يعقوب (النجل الأكبر للملا محمد عمر أحد مؤسسي الحركة) والملا عبدالغني بارادار (أحد مؤسسي الحركة أيضاً) بشأن التعيينات الحكومية. أراد الأول إدخال عناصر عسكرية إلى الحكومة بينما شدّد الثاني على تعيين العناصر السياسية. ويعدّ البعض بارادار من الوجوه المعتدلة نسبياً بعدما قاد المفاوضات مع الأميركيين في الدوحة.

وفي أيلول (سبتمبر) 2021، ذكرت تقارير أنّ أحد مسؤولي شبكة “حقاني” وجّه لكمات إلى بارادار وقد تبادل الحراس الشخصيون لكلا الرجلين النار مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. بعدها، توجه بارادار إلى قندهار، مركز ثقل الحركة جنوبي البلاد، للحديث مع زعيمها أخوند زاده. تمحور الخلاف أيضاً حول تشكيل الحكومة. لكنّ بارادار نفى لاحقاً هذه الحادثة. وبينما اعترف بارادار بأنّه توجّه إلى قندهار، ذكر أنّه لم يملك إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت لنفي “الأخبار الزائفة”. وبرزت خلافات أيضاً بين الملا يعقوب وشبكة حقاني كما بين الفصائل البشتونية وغير البشتونية في الحركة. لكنّ تأثير هذه الخلافات على علاقة الحركة بـ”القاعدة” غير مؤكّد.

بين “الخيانة” والتحالف

ثمّة فرضيّة طرحها ميشال غروبي من كلية الملك بلندن في موقع “ذا كونفرسايشن” بالنظر إلى دقّة الهدف وحاجتها المحتملة إلى معلومات قدّمها مخبر على الأرض. بسبب الخلافات السياسية المستمرة بين بارادار وحقاني الذي يرى في نفسه “فاتح” كابول، كما بسبب الحاجة إلى المال، ربما قدّمت “طالبان” معلومات إلى الولايات المتحدة بشأن مكان الظواهري. بذلك، يمكن أن تعزّز الحركة نفوذها السياسيّ الخاص عبر توجيه ضربة إلى صدقية حقاني.

لكنّ آخرين يرون أنّ “طالبان” ككلّ ترتبط بمصلحة حيويّة مع “القاعدة”. في حين ذكر ليفن من “معهد كوينسي لفنّ الحكم المسؤول” أنّ بروز “داعش” غيّر حسابات “طالبان” ممّا دفعها إلى نبذ الجهاد الدوليّ والتركيز على مواجهته، كان لمدير الأبحاث في مركز “صوفان” لدراسة الأمن والتحديات الدولية كولين كلارك رأي آخر كتبه الأربعاء في “فورين بوليسي”. تحتاج “طالبان” إلى مقاتلي “القاعدة” والذين يقدّر عددهم بـ400 مقاتل نشط لمحاربة داعش على طول الحدود الأفغانية-الباكستانية ممّا يجعل الانقسام بينهما أقلّ احتمالاً خصوصاً أنّ الطرف الثاني بالمقابل يحتاج إلى الملاذ الآمن.

لا يدخل كلارك في مجال الخلافات الداخلية بين فصائل “طالبان”. بالنسبة إليه، إنّ المكان الذي اغتيل فيه الظواهري وعِلمَ شبكة حقاني به هو دليل إضافي على أنّ “طالبان” و”الشبكة” و”القاعدة” تشكّل “ثلاثياً إرهابياً متوافقاً لم يقطع ولم ينوِ قط قطع علاقاته” مع بعضه البعض.

قد يحتاج حسم الجدل بشأن ملابسات وجود واغتيال الظواهري في كابول إلى معلومات استخبارية يمكن ألّا تفصح عنها واشنطن لأسباب أمنيّة. يبدو إلى الآن أنّ المعلومات الأولية ترجّح التعاون بين الطرفين. اتّهام وزير الخارجية أنتوني بلينكن “طالبان” بانتهاك اتفاق الدوحة “على نحو صارخ” أحد الأدلّة على ذلك.

Read Previous

العملات المشفّرة في طريقها إلى بطاقات الائتمان

Read Next

انتخابات.. وبدم فلسطيني!- رجا طلب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.