العراقي محمد كه يلان يقتحم “كهف القارئ”.. نقدياً

القاهرة- أحمد رجب شلتوت

اختار الكاتب والناقد العراقي كه يلان محمد، لباكورة أعماله النقدية عنوانًا دالًّا وهو: “كهف القارئ” (دار صفحة 7)، فالمفردة الأولى من العنوان “كهف” تذكر  بأفلاطون في كتاب الجمهوريّة، حين تناول ما أسماه بأسطورة الكهف، فقدّم أناساً يعيشون في كهف مُظلم منذ ولادتهم، وهم مقيدون بسلاسل تمنعهم من الحركة وتوجه أبصارهم نحو جدار الكهف المواجه لفتحته المطلة على الطريق، وخلفه نار مشتعلة تعكس أشباح المارّة على جدار الكهف، فيراهم سكان الكهف أشباحاً وظلالاً، فيظنون أن هذه الأشباح والظلال هي الحقيقة، وسيبقون هكذا إلى أن يتمكن أحدهم من فك أغلاله وينطلق خارج الكهف؛ فيشاهد البشر الحقيقيّين والموجودات الحقيقية، وحينما يعود إلى سكان الكهف يخبرهم أنهم يعيشون في وهم كانوا يظنونه هو الحقيقة كاملة.

أما صاحب الكهف فهو القارئ، أو هو الذي أحاط بالحقيقة فعاد إلى الكهف ليبدّد أوهامًا يرسف فيها الآخرون من غير القراء، فيقول الكاتب موضحًا مفهومه للقارئ: “ليس المقصود بالقارئ ذاك الذي حدد المنهج البنيوي مواصفاته؛ حيث أعلن موت المؤلف، وأصبح معنى النص متوقفًا على وجود القارئ الذي يملأ فجوات الأثر الأدبي، بل المقصود هو القارئ الذي يراهن عليه المؤلف لخروج منجزه الأدبي من العتمة؛ وهذا ما ينبئ بأنَّ ثمة من يزاحم الناقد في وظيفته”. لذلك لا يجد غضاضة في أن يطلق على هذه المرحلة “عصر القارئ”، ويقر بأن دور القارئ لم يتوقف عند تشكيل الذائقة والترويج للعمل الأدبي فقط، بل يتحكم بإيقاع حركة الكتابات الإبداعية؛ ذلك أنَّ نسبة التفاعل ومستوى التواصل يدفعان بالمبدع للشروع في كتابة عمل جديد.

وينظر الكاتب كذلك إلى القارئ باعتباره متلقيًا فاعلًا للنصّ فيقول: “أياً كان موضوع النّص الرّوائي وشكل ترتيبه البنائي، يتمّ التّعامل معه بوصفه منجزاً أدبيًا قابلًا لمساءلة القارئ الذي يملأ ثغراته، وهكذا يتعاظم دور الرّواية في تعميق مفهوم الذّاتية، وصوغ هويّة الفرد في واقع متشبع بإرغامات سياسية ودينيّة واجتماعيّة”.

هذا التأويل الواسع للعنوان يوهم قارئ الكتاب بأنه بصدد كتاب معرفي، لكن مطالعة قائمة المحتويات التي تتصدر الكتاب تبدد الوهم، فكل عناوين الفصول تخص فن الرواية وحده، وهذه الفصول/ المقالات تتمحور حول محورين اثنين: أولهما يتناول قضايا تخص الفن الروائي ،بينما الثاني يضم قراءات في الرواية العالمية.

الشّغف بالحكاية

ينظر الكاتب كه يلان محمد إلى الرواية باعتبارها أسطورة الإنسان المعاصر، فهي القادرة على تبديد أوهام سكّان الكهف، إذ إن الرغبة في سرد الحكاية وتلقيها صفتان متأصّلتان في الذات البشرية. “وقد وصل شغف الإنسان بالحكاية إلى درجةِ أنه يجد فيها حلًّا للأزمات المُطلسمة. كما أخذت القصة في النصوص الدينية دورًا محوريًا ولها وظائف متعدّدة”، بما يدل دلالة بليغة إلى تأثير القصص وفاعليتها. كما أن فن الرواية لا يضاهيه فن آخر  على مستوى استقطابه جمهورًا عريضًا من فئات وشرائح مختلفة، كما اكتسحت الرواية المشهد الثقافي، ويُنظر إلى رهاناتها المستقبلية على ضوء ما ترافق الثورة المعلوماتية من فرص وتحديات.

كما أنّ هذا الفن لا يعاني ما يمكن تسميته بالعجز في الأدوات. ويستمد العمل الأدبي تميّزه، ليس من أنه يلهمك بما تفوّقَ في إنجازه، بل في ما أراد قوله ولم يبلغه على حدّ تعبير “ميلان كونديرا”، الذي يتناول فكرة الشغف بالحكاية من منظور أعمق؛ فوجود الرواية حسب رأيه هو حماية لنا من نسيان الوجود، ما يجعل الرواية ضرورة ملحّة، ما دامت هي السبيل الوحيد لعدم النسيان.

قضايا الرواية

يضم المحور الأول ثماني عشرة مقالة، يتناول الكاتب في كل واحدة منها إحدى القضايا المرتبطة بالرواية، ويبدأ بتأكيد التشابك بين الرواية والصحافة، لذلك يطالب الروائي بأن يتمتع بحس صحافي، ذاكرًا أن الروائيين الذين عملوا بالصحافة استفادوا من خبرتهم بالكتابة الصحافية في أعمالهم الروائية على صعيد المضمون الذي كان شرارة خرجوا منها بعمل روائي متكامل، مثلما فعل نجيب محفوظ في روايته “اللص والكلاب”، ويذكر أن ما دفع الفرنسي “غوستاف فلوبير” لكتابة “مدام بوفاري”، هو الخبر المنشور عن انتحار السيدة ديلمار في سنة 1848 بعدما انفض العشاق والمعجبون من حولها، وكان جوهر المشكلة في تحويل هذا الخبر إلى عمل روائي بالنسبة إلى «فلوبير»، هو معارضة أمه وخوفها من مقاضاة ابنها، وقد وجد «فلوبير» الحل في استبدال اسم ديلمار بمدام بوفاري.

وتحت عنوان الرواية وغواية السيرة، يشير إلى حضور الجانب السيري في كثير من الأعمال الروائية بتنويعات مختلفة، سواء عبر التعبير عن الرؤى الفكرية ورغبات الكاتب على لسان الشخصيات الروائية، أو أن تكون الشخصيات المبثوثة في أعطاف الأعمال الروائية وجوهًا متعدّدة لشخصية المؤلّف، مثلما نجد في أعمال الكاتب محمد شكري. “فما يكسب السيرة الروائية خصوصية هو ما يتمتع به الكاتب من قدرة على خوض لعبة التّخييل، بفضل إعفائه من ضرورة تطابق كل ما يحكيه في عمله مع ما ذكرته كتب التاريخ”.

ويجزم الكاتب بأن هناك من الروائيين من يملكون وعيًا حادًّا بالواقع، ويستشرفون المستقبل بناءً على تعمق رؤيتهم ومشاهداتهم اليومية لحركة الحياة؛ لذا قد يقول البعض إن هذا الأديب أو ذاك تمكن من استباق الحدث والتنبؤ بما يمكن أن يقع. قال الروائي المصري «جمال الغيطاني» إن رجال الدولة لو قرأوا رواية نجيب محفوظ “ثرثرة فوق النيل” لكان بإمكانهم تفادي ما سُمِّي بنكسة حزيران. على هذا الأساس، تكون الروايات التي تنتمي إلى ما يصطلح عليه بالخيال السياسي قد سبقَ مؤلفوها الوقائع والثورات.

وأخيرًا يشارك الروائي الإيطالي “إيتالو  كالفينو” رأيه في أنَّ العصر الحديث يفرض إدراكًا جديدًا للكتابة، بما يلزم  الأعمال الروائية بأن تكون مقتصدةً في صياغة تعبيراتها؛ لأنّ ذوق القارئ المعاصر قد لا يتحمل الإسهاب والحشو. فلم تعد الرواية منصةً لمناقشة أوضاع اجتماعية، كما أنها ليست حائطًا لشعارات نضالية وادعاءات أيديولوجية، بل أبوابها أصبحت مشرعةً بوجه التطور العلمي، إضافة إلى إقصاء سلطة الرقيب بأنماطه المختلفة؛ وذلك من خلال الحيل والتقنيات المتنوعة.

عصر الرّواية

 وأخيرًا يعتبر هذا الكتاب في حد ذاته تجليًا لمقولة عصر الرواية، ويحاول مؤلفه اكتشاف السرّ وراء هذه الطفرة في الاهتمام بالرواية، فيطرح تساؤلات عدة قائلًا: “هل يصحّ فهم الإقبال على قراءة الرواية على المستوى العالمي بالاستناد إلى العامل التجاري، لأن الرواية أكثر استجابةً لمتطلبات السوق؟ أم أنّ الرواية حلّت مكان الأساطير والأيديولوجيا، وبالتالي كلما ازداد الشعور بالاغتراب لدى الفرد يكون أكثر افتتانًا بالعوالم المُتخيّلة؟ أو أن التعدّدية المعرفية في الرواية هي العنصر الأساس في انتشارها؟ وهل يريد القارئ من خلال الالتحام بالكون الروائي تعويض محدودية حياته؟”.

وتحاول مقالات المحور الثاني أن تجيب عن هذه التساؤلات، فضلًا عن اهتمامها، ووفقًا لما جاء بالمقدمة، فهي ترصد خصوصية ما تتصف به الروايات المترجمة من حيث التنظيم والتكامل القائم بين الشكل والمضمون والتنويع في الثيمات وتوظيف الهموم والمعطيات الحياتية في حياكة العمل الروائي، وذلك من خلال قراءات الناقد في عدد من الأعمال العالمية لكبار الروائيين، ومنها الكهف لخوسيه ساراماغو، واللؤلؤة لجون شتاينبك، وأعمال الفرنسي الحائز جائزة نوبل “باتريك موديانو”، وهو بحسب الكتاب، مقيم في الذاكرة.

وتأتي قراءة الكاتب لروايات الفرنسية فرانسواز ساجان، والسقوط لألبير كامي، ثم “قطار الليل إلى لشبونة” للكاتب والفيلسوف السويسري “باسكال مرسييه”، والبرازيلي “جورجي أمادو” في روايته “ميتتان لرجل واحد”،  والتشيلية “إيزابيل الليندي” في رواية “ما بعد الشتاء” تطبيقًا لقناعته بأن العمل الروائي ليس جزءًا مقتطعًا من الحياة، بل هو إعادة تفسير وتأويلٍ لوقائع الحياة.

Read Previous

تظاهرات “الجيل الجديد” في إقليم كردستان… حراك عابر أم شرارة للتغيير؟

Read Next

تحية الى فلسطين بصوت دلال.. أمام الجمهور التونسي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.