أن تعرف تونس لا يعني أنك تفهمها

كتب: أسامة رمضاني

لما كنّا صغاراً كنّا نقرأ في مجلة “العربي” الكويتية “اعرف بلادك أيها العربي”. وكنا نكتشف مع تلك المجلة الرائدة مختلف أنحاء الوطن العربي من شنقيط إلى الموصل إلى عدن.

في ذلك الوقت لم تكن هناك إنترنت ولا فضائيات، فكنا نرحل في الخيال مع الاستطلاعات المصورة ومقالات أحمد زكي لنكتشف عوالم لا نعرفها خارج الحدود.

اليوم أصبح العالم كله قرية نمسك بها في راحة اليد، أو هكذا نتصور. لا شيء يحدث في أي مكان من دون أن نعلم به في إبانه وأحياناً قبل أهله.

في تونس، كنّا دوماً نعتقد أننا نعرف كل شيء. بلاد لا يخفي فيها أحد سراً، وجعلت شبكات التواصل الاجتماعي فيها بث الأخبار والإشاعات رياضة متاحة للجميع.

ولكنك أن تعرف ما يجري (أو يتهيأ لك ذلك) في أي مكان ليس معناه بالضرورة أن تفهم كل شيء.

أعترف شخصياً أنني لا أَجِد دائماً من السهل قراءة توجهات الرأي العام في البلاد. لليوم لا افهم أحياناً ما الذي يفرح التونسي وما الذي يغضبه.

منذ أيام قليلة مثلاً غادر جانب كبير من جمهور مهرجان قرطاج عرضاً لرائد المسرح النقدي الأمين النهدي قبل أن ينتهي.

مسرحيات الفنان الكبير كانت دوماً تجذب الآلاف من المتفرجين من دون احتساب الآلاف الذين كانوا لا يجدون مقاعد. كثيرون من المغادرين قالوا إن النص المسرحي للنهدي لم يعد يتلاءم مع ذهنية التونسي. آخرون قالوا أن شيئاً ما تغير في علاقة المتفرج بالمبدع وبالمسرح.

تغيرت تونس وما زالت تتغير

المجتمع التونسي مجتمع متحرك، وردود فعل التونسيين لا تتطابق دوماً مع توقعات الخبراء والمسؤولين في الخارج أو حتى مع هواجس النخبة في الداخل. يشمل الأمر السياسة.

لا افهم تماماً هذه الأيام ما الذي يجعل التونسي يشارك في الحياة العامة أو ينفر منها.

بعض السياسيين أنفسهم يقولون إنهم فقدوا الرغبة في ممارسة السياسة بعد أن اخترقها الفساد وتصفية الحسابات، وبعد أن أفسدت الشعبوية الناخبين.

غالبية التونسيين أظهرت خلال الأيام الأخيرة أنها تفضل عدم التوجه الى صندوق الاقتراع للمشاركة في الاستفتاء الأخير حول الدستور، حتى إن كانت على المحك قضايا قد تحدد مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وبناتهم.

الأكيد أن هناك من التونسيين من رأى في عدم التصويت تعبيراً عن موقف سياسي ضد مشروع الدستور وحتى تشكيكاً في صدقية المسار الانتخابي والسياسي برمته.

ولكن أقلية فقط من بين ثلثي الناخبين الذين فضلوا عدم التصويت كان لهم في الواقع موقف سياسي ضده. وقالت مؤسسة سيغما كونساي التي استطلعت آراء الممتنعين عن التصويت إن 21 في المئة من بين هؤلاء اختاروا عدم المشاركة في الاقتراع كتعبير عن مقاطعتهم للاستفتاء. أما البقية فقد فضلوا عدم المشاركة لأن الاقتراع لم يكن يعني شيئاً إليهم.

يتعلق الأمر بابتعاد تدريجي من عامة الناس عن أمور الحكم والسياسة. بعد فورة الانتفاضات التي أسقطت نظام حكم بن علي سنة 2011 انتاب الشارع التونسي فتور متزايد تجاه الشأن العام. وترسخ التوجه العام نحو العزوف، بخاصة لدى الشباب.

ومسألة العزوف ظاهرة اجتماعية وسياسية عميقة وليست مجرد نتاج لإخلالات لوجستية أو مصاعب تقنية قد تساعد على تجاوزها ورشات التدريب التي تنظمها المنظمات غير الحكومية المحلية أو المؤسسات الدولية الناشطة في تونس.

اليوم، الكثير من التونسيين يفضلون الجلوس على الربوة في انتظار تشكل نظام سياسي تكون فيه للتصويت انعكاسات مباشرة على حياتهم. يتحدث الخبراء عن العقد الاجتماعي المفقود بين المجتمع والدولة. وفِي الأثناء يغيب المقاطعون أنفسهم عن مجال المشاركة في اتخاذ القرار، وإن كان ذلك سوف يطيل مدة انتظارهم للأفضل.

تغير علاقة المواطن بالسلطة

قديماً كان البعض يدعي أن “دقات الطبل تكفي لإخراج التونسيين الى الشارع في حين يرجعهم مرآي رجل أمن واحد إلى بيوتهم”. مقولة انتهت مدة صلاحيتها. لا شيء يوقف التونسي اليوم عن الاحتجاج في الشارع إن هو شاء ذلك.

تغيرت العلاقة بالنخبة السياسية التي فقدت تدريجياً جانباً كبيراً من صدقيتها. ولكن الناس لم يتخلّوا عن تمسكهم بالحريات الفردية والعامة ومنها بالخصوص حرية التعبير. وفي الوقت نفسه أصبحوا يرون في تحسين مستوى معيشتهم أولوية أكبر من ترسيخ المسار الديموقراطي أو أي شيء آخر.

تعبوا من صراعات الساسة وفوضى السياسة وأصبحوا مستعدين للقبول بمركزية أكبر للسلطة، من دون أن يكون يحدوهم حنين للمارسات السلطوية لما قبل سنة 2011. البعض يجد في “نجاحات الماضي” ملجأ للهروب من إخفاقات الحاضر. عالم الماضي انتهى وولى ولكنه يوفر في المخيال الشعبي قدراً أكبر من الوضوح  والطمأنينة.

كثير من فهم المرء للواقع التونسي ينبع من تأويلات الخارج وتفسيرات المحللين الأجانب. وهؤلاء ليسوا أفضل حالاً من أهل البلاد مهما تمسكوا بمصادرهم الموثوقة وأدواتهم العلمية.

كثيراً ما تنبأ الخبراء الأجانب والمحليين مثلاً بانهيار اقتصادي قادم في تونس. ولكن البلاد رغم مصاعبها الجمة تصر على عدم الانهيار. البعض من الملاحظين والمتابعين يرجح اندلاع انتفاضة وشيكة للجياع والفقراء. وكثيراً ما تقرأ توقعات بأن التونسيين نازلون بلا ريب إلى الشوارع في “ثورة ثانية”، بسبب تدهور مستوى معيشتهم. ولكن ذلك لا يحدث أو على الأقل لم يحدث حتى الآن.

إضافة الى ذلك، لا تبدو التنبؤات والتوقعات المبنية على أساس استشراء الفاقة والجوع متناسبة مع مظاهر الاستهلاك والإنفاق في الأسواق ولا مع قدرة عجلة الاقتصاد على الصمود أمام الضغوط.

بقي الشارع التونسي هادئاً ولا يزال، رغم حالة عدم الرضا العامة عن الوضع.

تغيرت علاقة المواطن بالاحتجاج ونظرته الى جدواه. منذ سنوات خلت كان التونسيون ينزلون الى الشوارع للاحتجاج والتعبير عن آرائهم حتى وإن كان ذلك يعني المجازفة بحريتهم أو بأرواحهم.

اليوم لم تعد الغالبية الصامتة ترى طائلاً من الاحتجاج بعد أن تبخرت وعود الساسة على مدى عقد كامل من الزمن. خبر عامة الناس عجز الدولة والأحزاب والنقابات عن تغيير الأوضاع الصعبة التي يعيشونها فخيروا البقاء في بيوتهم.

تعلّم المواطنون أن الحلول لمشاكلهم أضحت فردية قبل كل شيء.

من هذا المنطلق، لا يسع كل واحد إلا أن يبحث بنفسه عن فرص للعمل أو زيادة الدخل أو الهجرة الى الخارج التي قد تنقذه من وضعه.

كذلك، وفي غياب مبادرات الإصلاح الحكومية توسعت رقعة الاقتصاد غير النظامي الذي وفر لمن ليس لهم شغل دائم أو موقع في الاقتصاد النظامي موارد بديلة وإن كانت هشة.

إن فهم أي مجتمع، بما في ذلك المجتمع التونسي، يتطلب الخروج عن المسالك التقليدية للتحليل وقدرة على التواصل مع المواطن العادي وفهم ما يخالجه من مشاعر وإن كانت متناقضة.

قد لا يكون ذلك حاسماً في تحديد المسارات الإقليمية والدولية، ولكنه ضروري لاجتناب المفاجآت والحسابات الخاطئة التي تتولد من المقاربات السطحية والقوالب الجاهزة ومجرد مطالعة التقارير والأخبار ونتائج استطلاعات الرأي.

فأن تعرف ما يجري في تونس لا يعني البتة أنك تفهم كل ما يحصل فيها.

Read Previous

كيف فضح انهيار دعاية “الحصار الأميركي على لبنان” “الممانعة”؟

Read Next

الوقت ينفد أمامها لقبول الاتفاق.. البيت الأبيض: المحادثات النوويّة مع إيران اكتملت تقريباً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.