بوريس جونسون: أهلاً بكلاب أفغانستان لا بأهلها

كتب: عمّار الجندي

عندما تعهد رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته بوريس جونسون في آذار (مارس) الماضي استضافة 200000 لاجئ أوكراني، لا بد أن كثيرين تساءلوا ما إذا كان عليه أن يفتح أبواب البلاد أمام أهلها أولاً. فحكومته وأخواتها التي قادها المحافظون منذ 2010، هي على الأرجح الوحيدة في العالم التي تمنع المواطن أو المواطنة، من العيش في البلاد مع زوجته أو زوجها الأجنبيين، إلا إذا كان دخله لا يقل عن 18600 جنيه استرليني (نحو 20 ألف دولار) في العام.

وأُفيد في 2015 بأن هذا الشرط قد حرم 41% من المواطنين، بمن فيهم 55% من النساء، من التمتع بحياة عائلية في بريطانيا، علماً أن كلاً من هذه الأُسر كان بوسعها أن تستقر في أي من دول الاتحاد الأوروبي الـ27 قبل خروج بريطانيا منه.

والأوكرانيون مدللون في بريطانيا، والغرب عموماً، ما يدل إلى أن التعامل مع اللاجئين سياسي بالدرجة الأولى ولا ينبع من قيم إنسانية رفيعة. مثلاً، جونسون الذي وضع قوانين ونظماً جديدة من أجل الترحيب بالأوكرانيين في بريطانيا، فضّل إنقاذ مجموعة من الكلاب من كابول واستضافتها في بلاده، على مساعدة  الكثير من الأفغان الذين عملوا لدى سلطات بلاده سابقاً كمترجمين أو موظفين، تاركاً إياهم تحت رحمة “طالبان” بعد انسحاب أميركا وبريطانيا في آب (أغسطس) الماضي.

لكن المفاجأة أن وعد جونسون حتى للاجئين محظوظين، خلافاً للسوريين والأكراد والأفارقة، كان كلاماً بكلام. ففي غضون أسبوع تبين أن مجرد 50 شخصاً من أصل 5500 أوكراني، قد حصلوا على تأشيرة دخول إلى بريطانيا، وذلك في الوقت الذي كانت فيه جمهورية أيرلندا الصغيرة قد استقبلت، من دون ضجيج، ما يزيد على ألف لاجئ أوكراني.

ولم يبلغ عدد اللاجئين الأوكرانيين في بريطانيا حتى الآن سوى نصف العدد الموعود. فآخر البيانات الرسمية الصادرة في 28 تموز (يوليو) الماضي، تفيد بأن 104 آلاف أوكراني وصلوا إلى بريطانيا، 31 ألف منهم عبر “برنامج العائلة الأوكرانية”، (الذي يسمح للأوكرانيين بالالتحاق بأقربائهم في بريطانيا) و72 ألفاً آخرين عن طريق برنامج “منازل من أجل أوكرانيا” (تخول اللاجئ الإقامة في بريطانيا إذا وجد كفيلاً).

ولا يستبعد أن يكون جونسون قد أعاد النظر بوعده الأول خوفاً على حظوظه الانتخابية، فثمة عقلية مضادة للمهاجرين لها جذور عميقة في ثقافة ناخبيه، وصارت تؤثر في حياة البلاد السياسية بقوة.

وقد سجل التاريخ في عام 1968 خطاب “أنهار الدم” لإينوك باول، النائب والوزير المحافظ، كأجرأ تعبير مبكر بعد الحربين عن اختلال العلاقة بين إنكلترا “البيضاء” والأجانب السود والآسيويين الذين استقدمتهم أيام عزها الإمبرطوري لخدمتها، الأمر الذي ينذر بعنف جامح. ثم كان “امتحان لعبة الكريكيت” الذي أطلقه اللورد نورمان تيبيت عام 1990، وهو وزير ونائب محافظ سابق أيضاً، واعتبر فيه أن ولاء وافدين من حوض الكاريبي ودول آسيوية منقوص لأنهم يؤيدون فرق بلدانهم الأصلية ضد فريق إنكلترا في مباريات الكريكيت. وأثيرت وقتذاك تساؤلات عما إذا كان اليمين يطالب الأجانب بالانحلال في البلاد وليس الاندماج فحسب.

ولعل “الامتحان” المعبر أكثر هو عدد الأصدقاء الحقيقيين للوافد بين أبناء البلاد الأصليين وبيوتهم التي دخلها. لا بد أن العدد في الحالتين قليل جداً في دول أوروبا “القديمة” التي لا ترحب باندماج الغريب. أنا، مثلاً، زرت بيتاً إنكليزياً واحداً في ثلاثين سنة في وطني الثاني، مع أنني من طلاب الثقافة الإنكليزية، ولم أكن مهاجراً عزل نفسه في “غيتو” مسلم أو أسود أو آسيوي!

في أوائل التسعينات، شرّعت اتفاقية ماستريخت حرية التنقل والعمل لمواطني الاتحاد الأوروبي في دوله. وقويت شوكة الفئة “المشكّكة بالاتحاد الأوروبي” ضمن حزب المحافظين. ومع انضمام بولندا في 2004 إلى الاتحاد الأوروبي، تدفق أبناؤها على بريطانيا، وصارت لهم أعمالهم ونواديهم وتملكوا الكثير من المطاعم والحانات في لندن وغيرها. وعلى الرغم من أن هؤلاء مسيحيون بيض البشرة، فهم أجانب غرباء بدأ التوتر منهم يتعاظم تدريجياً، حتى وصل الأمر إلى حد ارتكاب جرائم قتل راح ضحيتها شباب بولنديون.

تفاقمت ضغوط المعسكر المعادي لأوروبا على حزب المحافظين من الداخل والخارج، فجنح إلى اليمين أكثر مما مضى إثر عودته إلى السلطة في 2010 بعد غيبة دامت 13 عاماً. وولّد هذا المناخ العصابي آليات منافسة جديدة صارت معها الهجرة، والعلاقة مع أوروبا، في مقدم القضايا التي يتسابق السياسيون المحافظون على التصلب فيها لكسب المزيد من التأييد.

في هذا السياق، فرضت تيريزا ماي، وزيرة الداخلية حينئذٍ، في 2012 الشرط المذكور آنفاً على استقدام الزوج أو الزوجة الأجنبيين. ولم يكن هذا آخر “أياديها البيضاء” على سياسات الهجرة في البلاد، ففي العام نفسه أعلنت تبني وزارتها استراتيجية “البيئة العداونية” التي هدفت إلى جعل الحياة بالنسبة إلى المهاجر غير الشرعي صعبة قدر الإمكان حتى ينفر ويقرر العودة إلى وطنه من تلقاء نفسه.

لهذه السياسة الفاشلة الكثير من الوجوه السلبية. لكنها حققت نتيجة تُشكر عليها، ولو من دون قصد، وهي الكشف في 2018 عن “فضيحة ويندراش” المأسوية المعيبة التي تسببت بمعاناة العشرات من أبناء جزر الهند الغربية ظروف الترحيل والاعتقال والتجويع ومصادرة الحقوق المشروعة، لا لذنب اقترفوه، بل لمجرد مجيئهم القانوني تلبية لرغبة لندن في أواخر الأربعينات على متن باخرة اسمها “إمباير ويندرش”، للعمل في بريطانيا. وإذ سارعت أمبر رد، وزيرة الداخلية حينذئذ بتقديم استقالتها، فذلك لم يمحُ الوصمة عن سمعة بريطانيا، وهيهات أن يمحوها شيء، ما دام بين قادتها من هم مستعدون، مثل بريتي باتيل وزيرة الداخلية، لاتخاذ إجراءات من قبيل دفع القوارب التي تحمل مهاجرين غير شرعيين عبر القنال الإنكليزي لإجبارها على العودة إلى المياه الفرنسية، على الرغم من المجازفة بإغراقها بمن عليها، أو ترحيل هؤلاء المهاجرين إلى راوندا وفق خطة باهظة الثمن مادياً وأخلاقياً، مع أنها غير مجدية.

لكن “العلة” أكبر من وزارة الداخلية التي اعتبر المحلل المعروف سايمون جينكنز أنها “باتت تكره الأجانب غريزياً”، ومن جونسون نفسه الذي تتبارى ليز تروس مع ريشي سوناك، في إبداء المزيد من الصرامة حيال المهاجرين للفوز بمنصبه. فعداء الأجانب يتصل بالتاريخ والاقتصاد، وهو سلوك تضبط إيقاعه السياسة والمصالح لا الأخلاق والقيم. كما أنه ليس حصراً ببريطانيا بل تجده أنى اتجهت، خصوصاً في الغرب.

Read Previous

ملف عن الأدب الكردي في مجلة (ميريت) الثقافية

Read Next

إذا لم يتم إيقافها بالقوة.. فعلى العالم أن يتحضر لإيران نوويّة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.