هل حفّزت بيلوسي الصين على تسريع ضمّ تايوان؟

كتب: جورج عيسى

حبس العالم أنفاسه حين زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي تايوان وسط تهديدات صينية. حذّر مسؤولون صينيون الأميركيين من “اللعب بالنار” في ما خصّ الجزيرة. المناورات العسكرية الصينية كانت حاضرة وكذلك تحليق المقاتلات في منطقة تحديد الدفاع الجوي التايوانية وفقاً لتايبيه. مع ذلك، أجرت بيلوسي زيارتها من دون اشتعال فتيل صدام عسكري مباشر بين الأميركيين والصينيين… لغاية اليوم.

حين اندلعت الحرب في أوكرانيا، كان السؤال الأبرز متعلقاً بشأن الدروس المستفادة. هل تتردّد الصين في ضمّ تايوان بالقوة بعدما رأت أنّ الجيوش الضعيفة قادرة على مفاجأة الجيوش الأقوى؟ كان الجواب الأميركي مزدوجاً: ربما تفاءل التايوانيون بمجريات الأحداث في أوكرانيا، لكنّ الصين تعلّمت حتماً أنّه من أجل الانتصار سيتعيّن عليها حشد “قوة ساحقة”.

إشكاليّة أخرى

ثمّة سؤال قد يكون أهمّ من سابقه. هل الصين مستعجلة فعلاً لضمّ تايوان بالقوّة؟ أستاذ العلاقات الدولية في “معهد شنغهاي العالمي” تييجون جانغ يجيب بالنفي. بالنسبة إليه، الصين ليست روسيا. وأوضح في مجلة “ذا ديبلومات” أواخر الشهر الماضي أنّ الصين ثاني أكبر ناتج قومي في العالم واقتصادها أكثر استدامة من الاقتصاد الروسي لأنّه أكثر تنوّعاً. وبما أنّ الصين “مصنع العالم” فهي أكثر ترابطاً مع النظام العالمي بالمقارنة مع روسيا. هذا الترابط سيف ذو حدّين.

من جهة هو يحفّز الاقتصاد الصيني على النمو بسرعة، ومن جهة أخرى، تبقى آثار أيّ عقوبات غربيّة على الصين أكثر إضراراً بها. وفقاً للكاتب، تمثّل الولايات المتحدة وحلفاؤها أبرز ثمانية شركاء تجاريين للصين من أصل أول عشرة. في هذا الإطار، ثمّة منطق صينيّ يضيء عليه جانغ: إذا كانت الصين قادرة على انتظار أكثر من مئة عام لاستعادة مكانتها الحقيقية بعد “قرن الإهانة” فلماذا لا تستطيع الانتظار عقداً أو أكثر لاستعادة تايوان؟

لكنّ هذه الحسابات تتعلّق بنظرة بكين إلى علاقتها بتايوان حصراً. هي لا تتعلّق بردّ الصين على “استفزازات” أميركا في تايوان بحسب وجهة نظر بكين. لقد كان التهديد عالي السقف إلى درجة أنّه صعّب على القيادة الصينية عدم إقران التهديد بأيّ تنفيذ لـ”الخط الأحمر”. لم يكن التهديد مرتبطاً بزيارة بيلوسي فقط بمقدار ما كان مرتبطاً بسياسة واشنطن الكلية تجاه الجزيرة. في 2018، أقر الكونغرس قانون السفر من وإلى تايوان بهدف تشجيع التبادلات الرفيعة المستوى بين الطرفين مع أنّها ظلّت تعدّ زيارات “ما دون ديبلوماسية”. منذ ذلك الحين، شهدت تايوان زيارات عدد من الوزراء والنواب في ولايتي الرئيسين ترامب وبايدن.

الصين “قادرة” على الحسم… وبسرعة

تراكمُ الخطوات الأميركية التي تشكّل تخلّياً تدريجياً عن سياسة “الصين الواحدة” التي اعتمدتها الولايات المتحدة طوال أربعين عاماً أمكن أن يفسّر حدّة التهديدات الأخيرة المتعلّقة بزيارة بيلوسي. هذا يعني انّ لبكين أسباباً كثيرة للردّ على واشنطن.

في وقت كان جانغ حاسماً لجهة تفوّق الولايات المتحدة العسكريّ على الصين ممّا يمنع الأخيرة من أيّ خطوة حركيّة في تايوان، لفت آخرون إلى أنّ الصين ستتمكّن من السيطرة على تايوان حتى قبل أن يتاح للولايات المتحدة المجال للردّ. أشارت أوريانا ماسترو من مركز الدراسات الدولية في جامعة ستانفورد الصيف الماضي إلى أنّ البنتاغون خاض ألعاباً حربية مع مؤسسة “راند” أظهرت أنّ صداماً عسكرياً بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان سيؤدي على الأرجح إلى هزيمة الولايات المتحدة وإنهاء الاجتياح في بضعة أيام أو أسابيع. لا تزال الولايات المتحدة متفوقة عموماً من الناحية العسكرية على الصين، لكنّ قرب الأخيرة من تايوان واهتمامها بها أكثر من اهتمام واشنطن يضعان الصين في موقف أفضل، كما كتبت ماسترو في مجلة “فورين أفيرز”.

إذا كانت هذه هي فعلاً موازين القوى بين أميركا والصين، وإذا كان صحيحاً أنّ ثمّة جوّاً عاماً في الصين متحمّساً لهذا التحرّك على ما نقلته ماسترو، فهذا يعني احتمالاً كبيراً لتحقّق النتيجة التالية: الردّ الصينيّ العسكريّ سيأتي قريباً لحسم قضيّة تايوان بالقوّة. زيارة بيلوسي الجزيرة بما تعنيه من استمرار لمسار أميركيّ “تصعيديّ” طويل توفّر حافزاً إضافيّاً للتحرّك العسكريّ المبكر. ربّما يحدث ذلك تحديداً بعد فوز شي بولاية ثالثة الخريف المقبل. مع ذلك، ثمّة حدود للتوقّعات بشأن إمكانات الصين العسكريّة.

ماذا تعني الخسارة في الألعاب الحربية؟

نادراً ما تصمّم الألعاب الحربية لتوقّع المستقبل أو تطوير استراتيجية وحيدة منفردة على ما شرحه كبير مصمّمي ألعاب الحرب ومحلّل الأبحاث في “مركز التحليلات البحرية” جيريمي سبينسكي وسيباستيان باي. لا تهتمّ هذه الألعاب بالنتيجة بمقدار ما تهتمّ باكتشاف نقاط الضعف وما يحتاج إلى التحسين. بالتالي، إنّ النجاح في الألعاب الحربيّة يصعّب معرفة مكان الاستثمار الصحيح ويصعّب أكثر إقناع أي شخص بأنّ الاستثمار يستحقّ التنفيذ. وفي مجلة “فورين بوليسي”، يوضح المحلّلان اللذان يتعاونان مع البنتاغون في تنظيم هذه الألعاب أنّهما غالباً ما يتلقيان شكاوى لصناعتهما من العدوّ عملاقاً طوله “عشرة أقدام”. لكنّهما يلفتان النظر إلى أنّ إجهاد القوات الأميركية حتى الانهيار ومن جميع الجهات يسمح للمحلّلين تحديد نقاط الضعف وما قد تحتاج إليه لإصلاحها.

بالتالي، ليست الألعاب الحربية أداة حاسمة في توقّع نتيجة حتميّة لأحد السيناريوات القتاليّة. ربّما تدرك الصين ذلك ولهذا السبب لم تتحرّك وقد لا تتحرّك عسكرياً في أيّ وقت قريب ضدّ تايوان. أثبتت حرب أوكرانيا أنّ التحليلات الأوّليّة، مهما كانت مهنيّة، تصطدم بوقائع يصعب التنبؤ بظهورها على الميدان. في نهاية المطاف، حتى واشنطن توقّعت سقوط كييف أمام القوات الروسيّة في أربعة أيام.

نصيحة صينية

ربّما يكون جانغ محقاً. قد ترى الصين أنّ الوقت ليس مناسباً لأيّ تحرّك عسكريّ. لكن على المدى الطويل يمكن أن يصبح كذلك، على الأقلّ بحسب اعتقاد الصينيين الذين يرون أنّ دولتهم في حال صعود والغرب في حال أفول. بالتالي، قد تتبع بكين نصيحة الجنرال الصينيّ الشهير صن تزو بالانتظار حتى امتلاك جميع عناصر التفوّق، “من أجل أن تنتصر بدون قتال”. مع ذلك، تبقى معرفة ما إذا كان الوقت فعلاً يصبّ في مصلحة الصين على المدى البعيد. إن لم يكن ذلك صحيحاً بحسب التصوّرات الصينيّة فقد تحاول ضمّ الجزيرة في المستقبل المنظور.

Read Previous

بيان عن الأزهر يكشف نسب الظواهري

Read Next

تأهب إسرائيلي على حدود غزة.. تخوّف من هجوم قريب

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.