من سياج أصم إلى سياج متهالك – فياتشيسلاف كوستيكوف

لا تزال الهوة بين روسيا والغرب آخذة في الاتساع، وفي ضوء ما يحدث يواصل الخبراء التساؤل عن الاتجاه الذي ستسلكه البلاد. العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة واللوبي المساند لها على أوروبا تجاه روسيا قد وصلت إلى درجة أنه حتى الروابط الثقافية تُنتهك الآن.

وقع تشايكوفسكي وتولستوي ودوستويفسكي تحت طائلة العقوبات. بتأثير الدعايا غير المسبوقة المعادية لروسيا تُمسح الآن من ذاكرة السياسيين الغربيين ذكرى الكارثة التي أدى إليها الإقصاء السياسي لبلادنا من جانب أوروبا قبل بدء الحرب العالمية الثانية، وليست مصادفة إذن أن ازداد الحديث عن احتمالية نشوب حرب جديدة بوتيرة مخيفة.

كم نحتاج من الوقت حتى تخمد هذه الهستيريا المعادية لروسيا ونعود إلى الحل المشترك لواحدة من أكثر مشاكل العالم حدة؟ في حديثه في منتدى بطرسبرج الاقتصادي أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن النخبة الأوروبية يجب أن تستعيد أولا سلطتها السياسية المفقودة، وهذه عملية لن تتم بسرعة. يمكننا أن نقول مثلا إنها قد تستغرق عقدًا من الزمان، وإذا اقتصر الأمر على عقد واحد سيكون جيدًا.

النخبة في حيرة

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: “كيف يمكننا أن ندير الأمر خلال هذه الفترة؟ في حديثه في دافوس أشار هنري كيسنجر الخبير في السياسة العالمية إلى إن روسيا كانت جزءًا لا يتجزأ من أوروبا وضامنًا لتوازن القوى الأوروبية لعدة قرون. إذا لم نتغلب على العزلة التي فرضها الغرب علينا فإن دور موسكو قد يتقلص – بحسب كيسنجر – إلى دور القائد المنوط به تنفيذ السياسة الصينية في العالم، ومن غير المرجح أن توافق روسيا على ذلك.

ما هي الأدوات التي سيستخدمها الكرملين للدفاع عن حقوقه؟ يساورني انطباع بأن نخبتنا مشوشة. لم يقدم منتدى بطرسبرج نفسه إجابة على السؤال الروسي الأبدي: “ما العمل؟”. النخبة التي اعتادت على أن تعيل البلاد نفسها ببيع الموارد الطبيعية تفضل الآن الاكتفاء بالحديث عن الآفاق البعيدة بعد 30 عاما، حتى إن أ. كودرين الذي شارك في العقود الأخيرة في مبادرات اقتصادية كثيرة يتنصل الآن من دور اللاعب النشط. يقول إن غرفة الحسابات التي يترأسها منخرطة أكثر في مراقبة الأحداث الجارية، لكنها لا تطرح خطة خاصة بها لمواجهة الأزمة.

البحث عن نموذج جديد

إلا أن أوليج ديريباسكا أظهر نشاطًا غير متوقع. لقد أوضح في رأيه الذي عبّر عنه في شكل بيان عام أن نموذج رأسمالية الدولة الذي كان ساريًا حتى وقت قريب قد استنفد نفسه تمامًا. قال إن مراكمة الاحتياطيات (الناتجة عن بيع النفط والغاز) يؤدي في نهاية الأمر إلى الحط من قيمتها.

أما فيما يتعلق بتوظيف العملة المكتسبة في السندات الأمريكية، فقد انتهى هذا الأمر بفضيحة مذلة حينما جمّدوا 300 مليار دولار. علاوة على ذلك تُهدِّد واشنطن بتحويل هذا المبلغ إلى هدية لزيلينسكي لتنمية أوكرانيا.

في ضوء المناقشة حول ما يجب فعله انتفض المحافظون الروس الذين لا تزال بقايا الشيوعية تعشش في رؤوسهم. نوقشت اقتصاديات التعبئة والعودة إلى تنظيم الدولة، بل وحتى تأميم عدد من الصناعات التي سُرِقت من الشعب في التسعينيات، ومع ذلك هذه المحادثات ذات صفة شعبوية، ومن المرجح إنها تهدف في الأساس إلى دعم توبيخ الحزب الشيوعي.

حتى هذه اللحظة ظهرت بعض الأفكار بشكل أو بآخر في المناقشات الإعلامية. يُقترح مثلا وضع رهان استراتيجي يتعلق بتطوير الإنتاج في إطار الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، ومن شأن ذلك أن يمكننا في النهاية من إنتاج الأواني والمجارف والفؤوس الخاصة بنا ومن ثم نقلل اعتمادنا الضار على الواردات.

كيف لا نزعج الشعب؟

إذا حكمنا على الأمر من خلال رد فعل القراء على النقاشات التي تدور في الصحافة سنجد إن فكرة التخفيض الحاد في الإجراءات البيروقراطية تحظى بتأييد كبير بين الناس. هناك حركة في هذا الاتجاه. يجري تقليص عمليات التفتيش وقمع فساد المسؤولين والقضاء وقوات الأمن. الكتافات ذات النجوم الكبيرة لم تعد تضمن الحماية لصاحبها.

إذا ترجمنا الحديث إلى مستوى الحوار اليومي يمكننا أن نقول إن الناس قد ازداد انزعاجهم من سلوك وأسلوب حياة الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم من النخبة. علاوة على ذلك يجري احتفال البعض بالحياة على حساب إفقار الآخرين بشكل عام.

روسيا النخبة محاطة بسياج أصم يصل ارتفاعه إلى 6 – 8 أمتار يفصل عالمها عن بقية البلاد التي تعيش خلف سياج متهالك. تضمن جحافل من حراس الأمن لهذه النوعية الخاصة من الناس.

على خلفية هذه الصور من معرض الكبرياء يصعب أن يؤمن المرء بأي شكل بالهدف الرئيس الجديد الذي أعلناه؛ ألا وهو تنمية الموارد البشرية في البلاد، ما لم كنا نقصد بالطبع الموارد المتوفرة في أيدي فئة محدودة جدًا من الناس.

——————————-

دبلوماسي وصحفي وكاتب روسي

 شغل منصب السكرتير الصحفي للرئيس الروسي بوريس يلتسين.

Read Previous

أسرى الحرية يضيئون الحياة

Read Next

هل تعيد اضطرابات إيطاليا أوروبا إلى حافة الهاوية؟ – باولا سوباتشي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.