في مقدمة ديوان «سماء أوديتي رؤاي» للدكتور زهير توفيق

مجدي دعيبس

عندما شرعتُ بقراءة ديوان الدكتور زهير توفيق «سماء أوديتي رؤاي» قفز إلى مخيلتي السؤال التالي: من الذي جاء أوّلًا؛ زهير الفيلسوف أم زهير الشاعر؟ أقصد في المراحل الشعوريّة المبكّرة وقبل أن تتّضح معالم أي منهما، لأيّ جهة انحاز بفطرته البسيطة؛ الشعر أم الفلسفة؟ هل كان التّغنّي بأبيات شعريّة بإيقاع موسيقي عال، أم ثمّة نزعة للتفكير ورفض الفهم الرخيص والمجّاني لما يحدث من حوله؟ هل الفلسفة كالشعر؟ أعني أنّه قد تظهر بشائر الشعر على الشاعر ولم يبلغ سن الحلم، لكن هل هذا ممكن في حالة الفلسفة؟! فتظهر علائم الفلسفة على الطفل الذي يبدأ بطرح أسئلة كبيرة تثير استغراب سامعيه؟
وقد وجدتني أعيد قراءة المقدمة التي وضعها الدكتور استهلالًا لديوانه ليكاشفنا برؤيته للشعر والفلسفة والتّعالق الوثيق بينهما، وقد وجدتني أيضًا أكتب هذه السطور تعليقًا على ما ورد فيها من جدليّة مثيرة للاهتمام فصارت قراءة في القراءة أو رأي بالرؤية أو هامش على الهامش على اعتبار أن النص الشعري هو المتن وما تبقى إحالات توضيحيّة.
لو حاولنا تعريف الفلسفة والشعر بهدف الإمساك بطرف الخيط على الرغم من تحفّظ الشاعر أو الفيلسوف على عملية التعريف بحد ذاتها لأنّها ببساطة لا تحيط بالمفهوم الأشمل لكليهما. الفلسفة حسب فهمي البسيط لها هي محاولة لفهم الأشياء، وكل شيء قابل للتشيؤ في هذا الوجود، بينما الشعر الجيد هو حالة شعوريّة صادقة يعبّر عنها الشاعر بأدواته الناضجة لغة وخيالًا وأسلوبًا. وهذا ما يعارضه الكاتب ويؤكد أنّ الشعر دون رؤية وجوديّة وحمولة فلسفية عبارة عن تهويمات أو حالة إيقاعية ترتبط بالموسيقى أكثر من ارتباطها بالشعر ووظيفته المعرفيّة والتامّليّة والجماليّة.
من يحمل الآخر؟ الشعر يحمل الفلسفة أم الفلسفة تحمل الشعر؟ لا يغيب عن أذهاننا أنّ الحامل على الأغلب أكبر من المحمول وبإمكانه حمل أشياء أخرى أيضًا. وقبل أن أسترسل في هذه الأفكار والهواجس، طالعنا الشاعر بقوله: «لكن من حيث المبدأ فإنّ كل شاعر كبير فيلسوف له وجهة نظر عميقة في الوجود والحياة، ويقدم فكرة ورؤيا بالصورة والمجاز، ولكن ليس بالضرورة أنّ كل فيلسوف شاعر».
ومن مداخل الشعر إلى الفلسفة يشير الشاعر إلى أنّ الأصل في اللغة الشعريّة التلويح وليس التّصريح لأنّ الأخير يحدّد النص بقراءة واحدة، بينما التّلويح يفتح مآلات التّأويل على مصراعيها، فهو -أي الشاعر- ينادي بلغة غامضة تخفي أكثر مما تكشف حتى يتحقّق الأثر الشعري المأمول من خلال صور شعريّة مركّبة بعناية تحيل البعيد إلى القريب أو الرمز إلى المرموز إليه، ويشير في غير مطرح أنّ الشّعر يفقد بريقه إذا أصبح مكشوفًا ومفهومًا ومباشرًا.
ويؤكد الشاعر أنّ التوظيف الأسطوري والمثيولوجي من أساسيّات بناء القصيدة، وأنّ الموضوعات الوجودية والإنسانية الكبرى البعيدة عن الأنا هي الأَوْلَى التصاقًا بالشعر ومشاغله وهمومه. ويذهب الكاتب فيما يذهب إليه أن الفلسفة أداة من أدوات الشعر التي لا يُستغنى عنها ولا يقوم الطرح الشعري بدونها. أقتبس الفقرة التالية التي تلخص رأي الشاعر في هذا الأمر مع يقيني أن الكلام الجيد لا يمكن تلخيصه بل نقله: «فأنا شخصيًا أكتب شعرًا يتطابق مع الفلسفة التي أراها مناسبة لوجهة نظري الكليّة للأشياء: ميتافيزيقا الوجود وفهمي لمصير الإنسان والاغتراب والرؤية. وتشكل هذه الفلسفة مرجعيتي ورسالتي في الحياة والثقافة والبحث عن أصول الأشياء، والابتعاد ما أمكن عن المباشر والغنائية المفرطة والذاتية والمطروق والمستهلك للوصول إلى عذريّة الأشياء ومنابعها الأصليّة».
لا شك أن الدكتور زهير توفيق يقدّم لنا رؤية متماسكة ورصينة في ماهية الشعر وعلاقته بالفلسفة، وأتّفق معه في كثير مما ذهب إليه خاصة عندما طرق موضوع التكرار في الشكل والمضمون وأكدّ أنّ ديوان الشاعر الأول يشبه ديوانه العاشر لأن بعضهم لا يمتلك الرؤية والجرأة اللازمتين للتغيير والتجريب، وقد أعارضه عندما لمّح أنّه لا منجاة للشعر إلّا بالفلسفة؛ فما زال الإبداع يتدثّر كل يوم بدثار مختلف ولو اتّفق الرجال على اختصار الجمال بامرأة واحدة لهلكنا دونها. وقد يكون لنا وقفة أخرى مع المتن بعد أن خضنا في الهامش والحواشي.
وفي الختام أود التنويه إلى الغلاف والإهداء اللذين جاءا متماشيان مع هذه الرؤية العامة؛ فظهر على الغلاف برج بابل (بوابة الله) لفنان هولندي من عصر النهضة (بيتر بروغل) وهي إشارة إلى النمرود الذي تجبّر بالأرض وبنى البرج ليصل إلى السماء، وهذا فعل ينطوي على ما هو أبعد من الظاهر علينا ويلمّح إلى سعي الإنسان الدؤوب للبحث عن الحقيقة وأسرار الكون والحياة والموت، كما تشير اللوحة إلى ميثيولوجيا بلاد ما بين النهرين وهي من الأقدم في العالم وخاصة ملحمة جلجامش التي فكّكها الشاعر وأعاد بنائها حسب رؤيته. أما الأودية التي ظهرت في العنوان وهي من المفاتيح المهمة في الديوان فقد أورد الشاعر في الهامش صفحة (34) في تعريف وادي الحيرة ما يلي: «الوادي أو المقام السادس في مقامات الصوفيّة عند فريد الدّين العطار في ملحمته الشعريّة الكبرى منطق الطير، وهي كناية عن رحلة الإنسان الروحية للبحث عن الذّات الإلهيّة، حيث تتداعى الطيور كافة لرحلة شاقة لرؤية ملكها السيمورغ فتنهض برحلة شاقة وتقطع سبعة أودية ولا يصل منها جبل قاف إلا ثلاثون طيرًا وبعد تردّد حاجب السيمورغ يُؤذن لها لرؤية الملك فلا تجد إلا نفسها في المرايا؛ دلالة على أنّ البحث عن الذّات الإلهيّة في مكان ما ليس له ما يبرره فهو في داخلنا، والمعنى أن البحث عن المطلق ليس له نهاية». كما جاء الإهداء إلى الشاعر العربي اللبناني المعروف بنزعته الفلسفية خليل حاوي الذي مات منتحرًا إثر الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان 1982.
الدكتور زهير توفيق كاتب وأكاديمي أردني، رئيس جمعية النقاد الأردنيين، صدر له عدة مؤلفات في الفكر والفلسفة من أهمها النقد الفلسفي عام 2016 والنهضة المهدورة عام 2018. وله في الشعر ديوان أضواء ليلى في بحار السندباد وفي رصيده عدة جوائز محليّة وعربيّة.
* كاتب وروائي أردني

Read Previous

رواية أنجلينا فتاة من النمسا – لشدة معاناتها، صارت تدعو الإله إلى وضع حد لحياتها

Read Next

من بين 15 الف حضارة: 4 حضارات “معادية” للأرض في درب التبانة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.